فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 260

وقول الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف:108] .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما بعث معاذاً إلى اليمن، قال له «إنّكَ تَأْتِي قَوْماً أَهْلَ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله (وفي رواية: إلى أن يوحِّدوا الله) ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ. فَأَعْلِمْهُمْ أَنّ الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنّ الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدّ على فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ, فَإِيّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللّهِ حِجَابٌ» . أخرجاه.

ولهما عن سهل بن سعد (- رضي الله عنه -) : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم خيبر: «أُعطِينّ الرايةَ غداً رجلاً يُحِبّ اللهَ ورسوله ويُحبّه اللهُ ورسولهُ يَفتحُ اللهُ على يديهِ» . فباتَ الناسُ يَدوكون ليلَتَهم أّيهم يُعطاها. فلما أصبحوا الناسُ غَدَوا على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - كلهم يرجو أن يُعطاها, فقال: «أينَ عليّ بن أبي طالب؟» فقيل: هو يَشتكي عينَيهِ: فأرسلوا إليه. فأوتي به فبَصَقَ في عينَيه, ثُمَّ دَعَا لَهُ فَبَرَأ كأنْ لم يكنْ به وَجَع, فأعطاهُ الراية, فقال: «انفُذْ على رِسْلِكَ حتى تنزلَ بساحَتهم, ثم ادُعهم إلى الإِسلام, وَأَخْبِرْهُم بما يَجِبُ عليهم من حقّ اللّهِ فيه, فواللّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللّهُ بكَ رجُلاً واحداً خيرٌ لكَ مِن حُمْرُ النّعَم» . (يدوكون) ، أي: يخوضون.

[الشرح]

هذا الباب هو (باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله) باب الدعوة إلى التوحيد.

وقد ذكر في الباب قبله الخوف من الشرك، وقبله ذكر فضل التوحيد وما يكفِّر من الذنوب وباب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب.

ولما ذكر بعده باب الخوف من الشرك اجتمعت معالم حقيقة التوحيد في النفس؛ في نفس الموحد، فهل من اجتمعت حقيقة التوحيد في قلبه بأن عرف فضله وعرف معناه وخاف من الشرك ومعنى ذلك أنه استقام على التوحيد وهرب من ضده؟ هل يبقى مقتصرا على نفسه أم إنه لا تتم حقيقة التوحيد في القلب إلاَّ بأن يدعو إلى حق الله الأعظم ألا وهو إفراده جل وعلا بالعبادة وبما يستحقه سبحانه وتعالى من نعوت الجلال وأوصاف الجمال؟

بوَّب الشيخ رحمه بهذا الباب ليدل على أن من تمام الخوف من الشرك ومن تمام التوحيد أن يدعو المرء إلى التوحيد، فإنه لا يتم في القلب حتى تدعو إليه، وهذه حقيقة شهادة أن لا إله إلاَّ الله؛ لأن الدعوة إلى شهادة أنْ لا إله إلاَّ الله عُلمت حيث شهِد العبد المسلم لله بالوحدانية.

قال: أشهد أن لا إله إلاَّ الله. وشهادته معناها اعتقاده ونُطْقه وإخباره الغير بما دلت عليه، فلابد إذن في حقيقة الشهادة وفي تمامها من أن يكون المرء من أن يكون المكلَّف الموحد داعيا إلى التوحيد.

لهذا ناسب أن يذكر هذا الباب بعد الأبواب قبله.

ثم له مناسبة أخرى لطيفة وهي: أنّ ما بعد هذا الباب هو تفسيرٌ للتوحيد وبيان أفراده، وتفسير للشرك وبيان أفراده، فيكون -إذن- الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، الدعوة إلى التوحيد دعوة إلى تفاصيل ذلك، وهذا من المهمات؛ لأن كثيرين من المنتسبين للعلم من أهل الأمصار يسلِّمون بالدعوة إلى التوحيد إجمالا؛ ولكن إذا أتى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت