مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ [الزخرف:9] ، ونحو ذلك من الآيات وهي كثيرة كقوله {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس:31 - 32] الآيات من سورة يونس, هذا معلوم أن مشركي قريش لم يكونوا ينازعون في الربوبية.
فإذن صارت هذه الكلمة دالة على غير ما أراد أولئك وهو ما ذكرناه آنفا من أن معنى لا إله يعني لا معبود، فيكون الخبر:
إما أن يكون تقديره موجود، فيكون المعنى لا معبود إلا الله، وهذا باطل لأننا نرى أن المعبودات كثيرة فقد قال جل وعلا مخبرا على قول الكفار {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} [ص:5] فالمعبودات كثيرة والمعبودات موجودة، فإذن تقدير الخبر بموجود غلط.
ومن المعلوم أنّ المتقرر في علم العربية أن خبر لا النافية للجنس يكثر حذفه في لغة العرب وفي نصوص الكتاب والسنة؛ ذلك أن خبر لا النافية للجنس يُحذف إذا كان المقام يدل عليه، وإذا كان السامع يعلم ما المقصود من ذلك.
وقد قال ابن مالك في آخر باب لا النافية للجنس حينما ساق هذه المسألة:
وَشَاعَ فِي ذَا الْبَابِ يعني باب لا النافية للجنس
وَشَاعَ فِي ذَا الْبَابِ إِسْقَاطُ الخَبَر ... إِذَا الْمُرَادُ مَعْ سُقُوطِهِ ظَهَر
إذا ظهر المراد مع حذف الخبر فإنك تحذف الخبر لأن الكلام الأنسب أن يكون مختصرا, كما قال عليه الصلاة والسلام «لاَ عَدْوَىَ، ولاَ طِيَرَةَ، وَلاَ هَامَةَ، وَلاَ هَامَةَ وَلاَ صَفَرَ، وَلاَ نَوْءَ، وَلاَ غُول» أين الخبر؟ كلها محذوفات لأنها معلومة لدى السامع.
فإذن الخبر هنا معلوم وهو أن الخبر موجودا يعني يقدر بموجود لأن الآلهة عُبدت مع الله موجودة، فيقدر الخبر بقولك (بحق) أو (حقٌّ) ، لا إله بحق يعني لا معبود بحق أو لا معبود حق إلا الله، إن قدرت الظرف فلا بأس، أو قدرت كلمة مفردة حق لا بأس.
لا معبود حق إلا الله، هذا كلمة التوحيد، فيكون إذن كل من عبد غير الله جل وعلا عُبد نعم؛ ولكن هل عبد بالحق أو عُبد بالباطل والظلم والطغيان والتعدي؟ عُبد بالباطل والظلم والطغيان والتعدي، وهذا يفهمه العربي من سماع كلمة لا إله إلاَّ الله.
ولهذا بئس قوم -كما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله-: بئس قوم أبو جهل أعلم منهم بـ: لا إله إلاَّ الله يفهم هذه الكلمة وأبى أن يقولها، ولو كانت كما يزعم كثير من أهل هذا العصر وما قبله لقالوها بسهولة ولم يدروا ما تحتها من المعاني؛ لكن يعلم أن معناها لا معبود حق إلاَّ الله، وأن عبادة غيره إنما هي بالظلم ولن يُقر بالظلم على نفسه، وبالبغي ولن يقر بأنه باغ متعد، وبالتعدي والعدوان، وهذا هو حقيقة معنى لا إله إلاَّ الله.