الأولى: أن الدعوة إلى الله دعوة إلى توحيده, دعوة إلى دينه، كما سيأتي تفسير هذه الكلمة في الحديثين بعدها؛ حديث ابن عباس بإرسال معاذ إلى اليمن، وحديث سهل بن سعد - رضي الله عنه - في إعطاء عليٍّ الراية.
الثانية: أن في قوله (أَدْعُو إِلَى اللَّهِ) التنبيه على الإخلاص، وهذا يحتاجه من أراد الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله والدعاء إلى الإسلام؛ يعني الدعوة إلى الإسلام، يحتاج أن يكون مخلصا في ذلك، ولهذا قال الشيخ رحمه الله في مسائل هذا الباب: في قوله (إِلَى اللَّهِ) تنبيه على الإخلاص لأن كثيرين وإن دعوا إلى الحق فإنما يدعون إلى أنفسهم، أو نحو ذلك.
قال (عَلَى بَصِيرَةٍ) والبصيرة هي العلم؛ البصيرة للقلب كالبصر للعين يبصر بها المعلومات والحقائق، فكما أنك بالعين تُبصر الأجرام والذوات, فالمعلومات تُبصَر بالبصيرة؛ بصيرة القلب والعقل، يعني أنه دعا على علم وعلى يقين وعلى معرفة لم يدعُ إلى الله على جهالة.
قال (أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي) يعني أدعو أنا إلى الله ومن اتبعني ممن أجاب دعوتي فإنهم يدعون إلى الله أيضا على بصيرة، وهذا أيضا من مناسبة إيراد الآية تحت هذا الباب لأن من اتبع النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعون إلى الله.
فإذن المتبعون للرسول عليه الصلاة والسلام الموحدون لابد لهم من الدعوة إلى الله؛ بل هذه صفتهم التي أمر الله نبيه أن يُخبر عن صفته وعن صفتهم، قال (قُلْ) يعني يا محمد, (هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي) فهذه إذن خصلة أتباع الأنبياء أنهم لم يخافوا من الشرك فحسب، ولم يعلموا التوحيد ويعملوا به فحسب؛ بل أنهم دعوا إلى ذلك.
وهذا أمر حتمي؛ لأن من عرف عِظم حق الله جل وعلا فإنه يغار على حق الرب سبحانه وتعالى، يغار على حق مولاه، يغار على حق من أحبه فوق كل محبوب أن يكون توجُّه الخلق إلى غيره بنوع من أنواع التوجهات، فلابد -إذن- أن يدعو إلى أصل الدين وأصل الملة الذي اجتمعت عليه الأنبياء والمرسلون ألا وهو توحيده جل وعلا في عبادته وفي ربوبيته وفي أسمائه وصفاته جل وعلا وعزَّ سبحانه.
ثم ساق الإمام رحمه الله حديث ابن عباس انه قال (لما بعث معاذاً إلى اليمن، قال له «إنّكَ تَأْتِي قَوْماً أَهْلَ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله(وفي رواية: إلى أن يوحِّدوا الله) » ) هذا موطن الشاهد وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر معاذا إذا دعا أن يكون أول الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وفسَّرتها الرواية الأخرى للبخاري في كتاب التوحيد من صحيحه قال (إلى أن يوحِّدوا الله) فشهادة أن لا إله إلا الله الدعوة إليها مأمور بها، وهي الدعوة إلى التوحيد، فالنبي عليه الصلاة والسلام أمر معاذا أن يدعو أهل اليمن وهم من أهل الكتاب؛ يعني من أهل الكتاب الذي هو التوراة والإنجيل؛ بعضهم يهود وبعضهم نصارى، أمَّا المشركون فهم فيهم قليل؛ بل أكثرهم على أحد اتباع الملتين.
قال العلماء في قوله عليه الصلاة والسلام له (إنّكَ تَأْتِي قَوْماً أَهْلَ كِتَابٍ) فيه توطين وفيه توطئة للنفس أن يُهيئ نفسه لمناظرتهم، ومعاذ بن جبل من العلماء بدين الإسلام ومن علماء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فقال له