عليه الصلاة والسلام ذلك ليهيئ نفسه لمناظرتهم ولدعوتهم، ثم أمره أن يكون أول الدعوة إلى أن يوحدوا الله جل وعلا.
في قوله هنا (فَلْيَكُنْ أَوّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله) هذه تقرأ على وجهين:
(الأول:(فَلْيَكُنْ أَوّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله) ، فتكون (أَوّلُ) اسم (يَكُنْ) وتكون (شَهَادَةَ) هي الخبر، وهذا من جهة المعنى معناه: أنه أخبره عن الأولية، فابتدأ بالأولية ثم أخبره بذلك الأول.
(والضبط الثاني أو القراءة الثانية أن تقرأها هكذا(فَلْيَكُنْ أَوّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله) فيكون (أَوّلَ) خبر (يَكُنْ) مقدم و (شَهَادَةُ) اسم (يَكُنْ) مؤخر مرفوع، وهذا معناه الإخبار عن الشهادة بأنها أول ما يدعا إليه.
وهذان الوجهان جائزان والمشهور هو الوجه الثاني هذا بِجَعِل (أَوّلَ) منصوبة؛ وذلك لأنّ مقام ذكر الشهادة والابتداء بها هو الأعظم وهو المقصود ليلتفت السامع والمتلقي وهو معاذ إلى ما يراد أن يخبر عنه من جهة الشهادة.
فإذن موطن الشاهد من هذا الحديث ومناسبة إيراد هذا الحديث في الباب هو ذكر أنَّ أول ما يدعا إليه هو التوحيد وهو شهادة أن لا إله إلا الله.
ثم ساق أيضا حديث سهل بن سعد الذي في الصحيحين (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم خيبر «أُعطِينّ الرايةَ غداً رجلاً يُحِبّ اللهَ ورسوله ويُحبّه اللهُ ورسولهُ يَفتحُ اللهُ على يديهِ» . فباتَ الناسُ يَدوكون ليلَتهم) باتَ, البيتوتة هي المُكث في الليل معه نوم أو ليس معه نوم؛ (باتَ الناسُ يَدوكون ليلَتهم) يعني يخوضون في تلك الليلة, باتوا يعني ظلوا ليلا يتحدثون من دون نوم لشدة الفضل الذي ذكره عليه الصلاة والسلام.
قال (فلما أصبحوا الناسُ غَدَوا على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يُعطاها, فقال: «أينَ عليّ بن أبي طالب؟» فقيل: هو يَشتكي عينَيهِ: فأرسلوا إليه. فأوتي به فبَصَقَ في عينَيه, ثُمَّ دَعَا لَهُ فَبَرَأ كأنْ لم يكنْ به وَجَع, فأعطاهُ الراية, فقال: «انفُذْ على رِسْلِكَ حتى تنزلَ بساحَتهم, ثم ادُعهم إلى الإِسلام) هذا موطن الشاهد، والمناسبة في إيراد هذا الحديث في الباب قال (ثم ادُعهم إلى الإِسلام, وَأَخْبِرْهُم بما يَجِبُ عليهم من حقّ اللّهِ تعالى فيه) الدعوة إلى الإسلام هي الدعوة إلى التوحيد؛ لأن أعظم أركان الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وضَمَّ إليها عليه الصلاة والسلام أن يدعوهم أيضا إلى حق الله فيه؛ يعني إلى ما يجب عليهم من حق الله فيه، قال (وَأَخْبِرْهُم بما يَجِبُ عليهم من حقّ اللّهِ فيه) يعني في الإسلام من جهة التوحيد، ومن جهة الفرائض واجتناب المحرَّمات، ولهذا كانت الدعوة إلى الإسلام يجب أن تكون في أصله وهو التوحيد وبيان معنى الشهادتين، ثم بيان المحرمات والواجبات؛ لأن أصل الأصول هو المقدَّم فهو أول واجب.
لاحظ أن الآية آية سورة يوسف فيها بيان أن كل الصحابة دعاة إلى الله جل وعلا دعاة إلى التوحيد.
وحديث معاذ فيه أن معاذا كان من الدعاة إلى الله، وفُصِّل فيه نوع تلك الدعوة إلى الله جل وعلا.
وكذلك حديث سهل بن سعد الذي فيه قصة علي فيه الدعوة إلى الإسلام.