فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 260

-فيكون محبطا لأصل العمل الذي تعبَّد به إذا ابتدأ النية بالرياء؛ يعني فيما لو صلى دخل الصلاة لأجل أن يُرى أنه يصلي، ليس عنده رغبة في أن يصلي الراتبة، لكن لما رأى أنه يُرى ولأجل أن يُمدح بما يراه الناس منه صلى، فهذا عمله يعني تلك الصلاة حابطة ليس له فيها ثواب.

-وإن جاء الرياء في أثناء العبادة، فإن ما زاده لأجل الرؤية يبطل كما قال عليه الصلاة والسلام «قَالَ اللّهُ تَعَالَىَ: أَنَا أَغْنَىَ الشّرَكَاءِ عَنِ الشّرْكِ. مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي, تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» .

الشاهد من الحديث قوله عليه الصلاة والسلام (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) هو أخوف الذنوب التي خافها النبي عليه الصلاة والسلام على أهل التوحيد؛ لأنهم ما داموا أهل توحيد فإنهم ليسوا من أهل الشرك الأكبر, فبقي ما يُخاف عليهم الشرك الأصغر, والشرك الأصغر تارة يكون في النِّيَّات، وتارة يكون في الأقوال, وتارة يكون في الأعمال, يعني في القلب يكون الشرك الأصغر وفي المقال وفي الفعال أيضا, وسيأتي في هذا الكتاب بيان أصناف من كلِّ واحدة من هذه الثلاث.

إذن النبي عليه الصلاة والسلام قال (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) فهو أخوف الذنوب على هذه الأمة, لماذا خافه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ وكان أعظم الذنوب خوفا؟ لأجل أثره وهو أنه لا يغفر، ولأجل أن الناس قد يغفلون عنه, فلهذا خافه عليهم عليه الصلاة والسلام, والشيطان حرصه على أهل التوحيد أن يدخل فيهم الشرك الأصغر من جهة الرياء، ومن جهة الأقوال والأعمال والنيات، أعظم من فرحه بغير ذلك من الذنوب.

بعد ذلك ساق حديث ابن مسعود قال (وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ماتَ وهوَ يَدعو من دون اللّهِ نِدّاً دخلَ النار» ) وجه الاستدلال منه أنه قال (من ماتَ وهوَ يَدعو من دون اللّهِ نِدّاً) ودعوة النِّد من دون الله من الشرك الأكبر؛ لأن الدعاء عبادة, وهو أعظم العبادة، فقد جاء في الحديث الصحيح «الدعاء هو العبادة» وفي معناه حديث أنس في السنن «الدعاء مخ العبادة» فهو أعظم أنواع العبادة، فمن مات وهو يصرف هذه العبادة أو شيئا منها لغير الله -ند من الأنداد- فقد استوجب النار.

وقوله (دخل النار) يعني كحال الكفار خالدا فيها؛ لأن الشرك الأكبر إذا وقع من المسلم فإنه ولو كان أصلح الصالحين يُحبِط العمل، قد قال جل وعلا لنبيه {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الزمر:65 - 66] ، فلو أشرك النبي عليه الصلاة والسلام -فإن الله عظيم والله أكبر وخلقه هم المحتاجون إليه، العبيد له سبحانه- فلو أشرك النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ لحبِط عمله ولكان في الآخرة من الخاسرين، أفلا يوجب هذا الخوف منه ودونه ممن يدّعي الصلاح والعلم من الشرك؟ بل قد شاع في هذه الأمة أن بعض المنتسبين إلى العلم يدعو إلى الشرك ويحض عليه ويبغّض ويكرّه في التوحيد، وهذا كما قال الله جلّ علا عن أسلافهم {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر:45] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت