فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 260

ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود (- رضي الله عنه -) مرفوعاً: «إنّ من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» . ورواه أبو حاتم في صحيحه.

[الشرح]

هذا (باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده) ، هذا الباب مع الأبواب بعده في بيان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان حريصا على هذه الأمة وكان بالمؤمنين عليه الصلاة والسلام رءوفا رحيما، ومن تمام حرصه على الأمة أن حذرهم كل وسيلة من وسائل الشرك التي تصل بهم إلى الشرك، وسد جميع الذرائع الموصلة إلى الشرك، وغلظ في ذلك وشدّدَ فيه وأبدى وأعاد حتى إنه بيّن ذلك ذلك خشية أن يفوته تأكيده وهو في النزع وهو يعاني سكرات الموت عليه الصلاة والسلام.

فهذه الأبواب في بيان وسائل الشرك الأكبر، وأن الشرك الأكبر له وسائل وله ذرائع يجب سدها ويجب منعها رعاية وحماية للتوحيد؛ ولأن النبي عليه الصلاة والسلام غلّظ فيمن يفعلون شيئا من تلك الوسائل أو الذرائع الموصلة إلى الشرك.

هذا الباب في بيان أحد الوسائل الموصلة إلى الشرك والذرائع التي يجب منعُها.

قال رحمه الله (باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح) ، صورة ذلك: أن يأتي إلى قبر رجل صالح يعلم صلاحه -إما أن يكون من الأنبياء والمرسلين، أو أن يكون من صالحي هذه الأمة، أو صالحي أمة غير هذه الأمة- فيتحرّى ذلك المكان لكي يعبد الله وحده دون ما سواه [1] ، فيأتي إلى هذا القبر أو يأتي إلى هذه البقعة لكي يعبد الله فيها رجاء بركة هذه البقعة، وهذا يروج عند كثيرين في أنّ ما حول القبور -قبور الصالحين أو قبور الأنبياء- مبارك وأن العبادة عندها ليست كالعبادة عند غيرها، والنبي عليه الصلاة والسلام غلّظ في ذلك مع أن المغلَّظ عليه لم يعبد إلا الله جل وعلا ولم يعبد صاحب القبر؛ لكنه اتخذ ذلك المكان رجاء بركته ورجاء تنزل الرحمات -كما يقولون- ورجاء تنزل النسمات والفضل من الله عليه واختاره لأجل بركته؛ ولكنه لم يعبد إلا الله جل وعلا، ومع ذلك لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك الصِّنف الذين يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد.

وقوله هنا (فيمن عبد الله) يعني لم يشرك بالله، عبد الله وحده، صلى لله مخلصا، أو دعا لله مخلصا، أو تضرّع واستغاث واستعاذ لله جل وعلا مخلصا عند قبر رجل صالح؛ لكنه تحرى القبر لأجل البركة.

والرجل الصالح -كما سبق أن ذكرنا- هو المقتصد الذي أتى بالواجبات وابتعد عن المحرمات، وأعلى منه درجة السابق بالخيرات، فالصالحون من الرجال والنساء مقامات هم درجات عند الله.

وبعض أهل العلم يعبرون بتعريف الرجل الصالح بقوله: الصالح من عباد الله هو القائم بحقوق الله القائم بحقوق عباده. وهذا صحيح؛ ولأن المقتصد قائم بحقوق الله قائم بحقوق عباده، أتى بالواجبات وانتهى عن المحرمات، وأعظم منه درجة السابق بالخيرات.

(1) انتهى الوجه الأول من الشريط الثامن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت