قال (ولمسلم عن ابن مسعود، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «هلك المتنطعون» . قالها ثلاثا) هذه الكلمة (هلك المتنطعون) يعني الذين تنطعوا فيما يأتون به -في أفعالهم أو أقوالهم-، وهم الذين جاوزوا الحد في ذلك، وابتغوا علم شيء أو تكلفوا شيئا لم يأذن به الله، فزادوا عما أذن لهم فأتوا بأشياء لم يؤذن لهم فيها.
والتنطع والإطراء والغلو متقاربة يجمعها الغلو؛ الغلو يشمل الإطراء ويشمل التنطع، فكل تنطع وكل إطراء غلو، والغلو اسم جامع لهذه جميعا.
فالشيخ رحمه الله في هذا الباب بيّن أن سبب كفر بني آدم وسبب تركهم دينهم هو الغلو في الصالحين بأن جاوزوا الحد فيهم.
جاوز قوم نوح الحد في الصالحين فيهم فعكفوا على قبورهم وألهوها فصارت آلهة.
والنصارى غلت في رسولهم عيسى عليه السلام وفي الحواريين وفي البطارقة حتى جعلوهم آلهة مع الله جل وعلا يستغيثون بهم ويؤلهونهم ويسألونهم ويعبدونهم.
وكذلك في هذه الأمة جعل للنبي عليه الصلاة والسلام نصيب من خصائص الإله وهذا هو عين ما نهى عنه عليه الصلاة والسلام بقوله (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن ريم إنما عبد فقولوا عبد الله ورسوله) .
وفي هذا القدر كفاية وأسأل الله لي ولكم عموم الانتفاع والعلم والعمل، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟!
في الصحيح عن عائشة، أن أُمّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأرض الْحَبَشَةِ، وما فيها من الصور، فقال: «أُولَئِكِ, إِذَا مات فِيهِمُ الرّجُلُ الصّالِحُ أو العبد الصالح، بَنَوْا عَلَىَ قَبْرِهِ مَسْجِداً، وَصَوّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصّوَرَ أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ الله» فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل.
ولهما عنها، قالت: لما نزل برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، طَفِقَ يَطْرَحُ خُمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ. فَإِذَا اغْتَمّ بها كشَفَهَا فقال وهو كذلك: «لَعْنَة اللّهُ على الْيَهُودَ وَالنّصَارىَ. اتّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذّرُ مَا صَنَعُوا، وَلَوُلاَ ذَلكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ, غَيْرَ أَنّهُ خُشِيَ أَنّ يُتّخَذَ مَسْجِداً. أخرجاه
ولمسلم عن جندب بن عبد الله، قال: سَمِعْتُ النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ, وَهُوَ يَقُولُ: «إِنّي أَبْرَأُ إِلَى الله أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ, فَإِنّ الله قَدِ اتّخَذَنِي خَلِيلاً, كَمَا اتّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً, وَلَوْ كُنْتُ مُتّخِذاً مِنْ أُمّتِي خَلِيلاً لاَتّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً. أَلاَ وَإِنّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ, أَلاَ فَلاَ تَتّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ. إِنّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» .
فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن -وهو في السياق- من فعله. والصلاة عندها من ذلك وإن لم يبن مسجد وهو معنى قولها: خُشِيَ أَنّ يُتّخَذَ مَسْجِداً.
فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً، وكل موضع قصدت الصلاة فيه، فقد اتخذ مسجداً، بل كل موضع يصلى فيه، يسمى مسجداً، كما قال - صلى الله عليه وسلم: «جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً» .