فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 260

(الكاف هنا بعض الناس يظن أنها كاف المثلية؛ يعني لا تطروني بمثل ما أطرت النصارى ابن مريم ويقول: إن النصارى أطرت ابن مريم في شيء واحد وهو أنْ قالوا إنه ولد لله جل وعلا. والنبي عليه الصلاة والسلام فهي أن تجعل له رتبة البنوة، فإذا كان كذلك ما عداه فجائز وهذا هو قول الخرافيين، كما البوصيري في هذا المقام:

دَعْ ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم كما شئت فيه واحتكم

يعني لا تقل إنه ولد لله أو أنه ابن الله، وبعد ذلك قل ما شئت غير ملوم وغير مثرّب عليك.

(الوجه الثاني: -وهو الفهم الصحيح وهو الذي يدل عليه السياق- أن الكاف هنا هي كاف القياس، لا تطروني إطراءً كما أطرت النصارى ابن مريم، وكاف القياس هي كاف التمثيل الناقص بأن يكون هناك شَبَهٌ بين ما بعدها وما قبلها في أصل الفعل(لا تطروني كما أطرت) فهنا نهى أن يطرى عليه الصلاة والسلام كما حصل أن النصارى أطرت، فهو تمثيل للحدث بالحدث، لا تمثيل أو نهي عن نوع الإطراء، قال (لا تطروني كما أطرت) فنهى عن إطراءٍ له عليه الصلاة والسلام لأجل أن النصارى أطرت ابن مريم فقادهم ذلك إلى الكفر والشرك بالله وادعاء أنه ولد لله جل وعلا، ولهذا قال (إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله) .

فإذن الكاف هنا ليست كاف التمثيل الكامل بأن يكون ما بعدها مماثل لما قبلها تماما؛ يعني في الوصف، وإنما هي كاف التمثيل الذي يكون ما بعده مشترك مع ما قبله في المعنى، وهي القياسية التي تجمعها العلة، ولهذا يقول الفقهاء كما هو المعلوم: هذا كذا كهذا، يقول مثلا: نبيذ غير التمر والعنب كنبيذ التمر والعنب. مساواة بين هذا وهذا لوجود أصل المعنى بينهما، وهنا نهي عن الإطراء لأجل وجود أصل الإطراء في الاشتراك بين إطراء النصارى وما سبّبه من الشرك وإطراء ما لو أطري النبي - صلى الله عليه وسلم - ما سيسببه من الشرك.

والأمة في أكثر من طوائفها خالفت ذلك وأطرت النبي - صلى الله عليه وسلم - إطراءً حتى بلغ أن جعلوا من علومه علم اللوح والقلم، وأن جعلوا من جوده الدنيا وضرتها، وأن جعلوا له من الملك نصيب عليه الصلاة والسلام وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

أرشدهم بقوله (إنما عبد فقولوا عبد الله ورسوله) وهذا هو الكمال في حقه عليه الصلاة والسلام وأن يكون رسولا، هذا أشرف مقاماته عليه الصلاة والسلام.

قال المؤلف (وقال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» ) هذا نهي عن الغلو بأنواعه وأن من قبلنا إنما أهلكهم الغلو؛ أهلكهم من جهة الدين وأهلكهم أيضا من جهة الدنيا أنهم غلو في دينهم، فالغلو سبب لكل شر والاقتصاد سبب في كل فلاح وخير، والغلو منهي عنه بجميع صوره في الأقوال والأعمال، أقوال القلب وأعمال القلوب، وكذلك أقوال اللسان وأعمال الجوارح فالغلو سبب للهلاك هلاك العبد في دينه ودنياه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت