الشاهد من هذا أن أولئك توجهوا إلى الصور -صور الصالحين- فكانوا أهل علم يعلمون أنهم إذا اتخذوا الصور فإنهم لن يعبدوها؛ لكن كانت الصور تلك للصالحين والمعظمين وسيلة وطريق وسبب لأنْ عُبدت في المستقبل لما نسي العلم، والشيطان ربما أتى إلى الصورة فجعل في عيني الناظر إليها والمخاطب لها أنها تتحدث وأن فم المصوَّر يتكلم وأنه يُسمع ُ منه وأنه يُسمع منه كلاما ونحو ذلك من الأشياء وأصناف التصرفات التي تجعل القلوب تتعلق بتلك الرّوحانيات -كما يقول- وتلك الأرواح، فيُغرى أولئك بهم.
وهذا هو الذي حصل عند القوم الذين عكفوا على القبور وعبدوا أهلها مع الله جل وعلا، يأتي ويقول: ذهبتُ إلى القبر الفلاني فكلّمني أبي. وهو شيطان نطق على لسان أبيه، وربما تصور بصورة أبيه فخرج له في ظلام ونحوه، فيحدثه أبوه بصوته الذي يعرفه، أو يحدثه العالم أو الولي بصوته الذي يعرفه منه، فتقع الفتنة وهذا من الشيطان.
ولهذا قال ابن عباس هنا كلمة بين السبب في ذلك فقال (أوحى الشيطان إلى قومهم) والوحي إلقاء في الخفاء، الشيطان ما يتحدث علنا, (أوحى) يعني ألقى في خفاء, الوحي هو إلقاء الخبر في خفاء، فألقى في روعهم, ألقى في أنفسهم, ذلك الأمر فكان سببا للشرك بالله جل وعلا.
أول الأمر ما عُبدت, جُعلت وسائل الشرك من الصور والأنصاب والتسمية بأسماء الصالحين، وكان ذلك وسيلة إلى الشرك، لم تُعبد جعلوا الوسائل؛ لكن عندهم من العلم ما يحجزهم أن يعبدوا أولئك الصالحين؛ لكن لما نسي العلم عُبدت.
وهذا الفعل الذي فعلوه بإيحاء الشيطان كان من الغلو في أولئك الصالحين، وهذا وجه الشاهد من أنهم لمّا ماتوا عكفوا على قبورهم أو صوروا تلك الصور أو نصبوا الأنصاب في أماكنهم ويكون أنشط لهم في العبادة أو العلم؛ ولكنهم لما فعلوا ذلك كان ذلك سببا من أسباب العبادة؛ لأنهم غلوا في الصالحين. وهذا مراد الشيخ رحمه الله من إيراد هذا الأثر.
قال (وعن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» ) ، قوله (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم) فيه نهي عن إطرائه عليه الصلاة والسلام.
والإطراء: هو مجاوزة الحد -أيضا- في المدح.
الغلو عام في أشياء كثيرة قد يكون في المدح، قد يكون في الذم، قد يكون في الفهم، قد يكون في العلم، قد يكون في العمل.
لكن الإطراء الغلو في المدح، الغلو في الثناء، الغلو في الوصف، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن إطرائه كإطراء النصارى ابن مريم، وقال (إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله) .
قوله هنا (كما أطرت النصارى ابن مريم)