فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 260

يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ [المائدة:72 - 73] ، وفي آخر سورة المائدة أيضا قال الله جل وعلا {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ} [المائدة:116] ؛ يعني تنزيها وتعظيما لك أن أقول لهم ذلك وذلك من الشرك فكيف أقول لهم ذلك قال {قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة:116 - 117] ، وهذا كله في التوحيد، فحصل أن غلا أتباع الرسل وأتباع الأنبياء في الأنبياء والرسل وغلوا أيضا في الصالحين من أتباعهم وجعلوا لهم بعض خصائص الإلهية؛ جعلوا لهم الشفاعة جعلوا لهم نصيبا من الملك أو أنهم يدبرون الأمر أو أنهم يصرفون شيئا من الملكوت، فيعتقد الآن بعض الصوفية أن للكون أقطابا أربعة وأن ربما في ربع العالم المسئول عن فلان وفي الربع الثاني المسؤول عن فلان وإلى آخره، فجعلوا لهم نصيبا من الملك، جعلوا لهم نصيبا من الربوبية، وجعلوا لهم أيضا نصيبا من الإلهية فتقربوا إليهم بأنواع القربات من الذبح والاستغاثة والتذلل والخضوع والمحبة والتوكل والرغب والرهب وخوف السر، إلى آخر أنواع العبادات القلبية والعملية.

قال رحمه الله (وفي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا(23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثٍيرًا} [نوح:23 - 24] ، قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا، أوحى الشيطان إلى قومهم) إلى آخر ما قال رحمه الله تعالى، هذه القصة أو هذا الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما محمول على الرّفع؛ لأن هذا خبر غيبي وهذا الخبر الغيبي فيه أنه لا يستقى إلا من مشكاة النبوة.

وود وسواع ويغوث ويعوق ونسر هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح, نوح عليه السلام أتى بالرسالة بأن يعبد الله وحده دون ما سواه بالتوحيد، فكيف دخل الشرك في قوم نوح؟

في القرآن ذكرٌ لأصلين من أصول الشرك -وثَم غيرهما أيضا-:

الأصل الأول: شرك قوم نوح. والأصل الثاني: شرك قوم إبراهيم.

وشرك قوم نوح كان بالصالحين؛ بالغلو في الصالحين وأرواح الصالحين، فجاءهم الشيطان من جهة روح ذلك العبد الصالح وأثر تلك الروح وأن من تعلق به فإنه يشفع له, ثم ساقهم من ذلك التعظيم إلى الصور والأنصاب والأوثان والأصنام.

والنوع الثاني شرك قوم إبراهيم، وذلك شرك في تأثير من جهة النظر في الكواكب ومن يؤثر ويحرك، فهذا شرك في الربوبية وما تبعهم من الشرك في الإلهية؛ لأنهم جعلوا لتلك الكواكب أصناما وجعلوا لها صورا، جعلوها أوثانا فعبدوها من دون الله جل وعلا وتوجهوا إليها.

وأما قوم نوح فكان شركهم في الصالحين، في الغول في الصالحين، كما قال ابن عباس هنا في بيان أصل وقوع هذا الشرك (فلما هلكوا، أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسي العلم، عبدت. قال ابن القيم قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت