فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 260

أما الغلو فيهم بأن يجاوز ذلك الحد فهو بحر لا ساحل له، فمما حصل من الغلو فيه أنهم جُعلت فيهم خصائص الإلهية، جُعل بعض البشر أنه يعلم سر اللوح والقلم، وأنه من جوده الدنيا وضرتها كما قال البوصيري في قصيدته المشهورة:

فإن من جودك الدنيا وضُرَّتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم

وهذا ليس إلاّ لله جل وعلا، وهدا من الغلو المنهي عنه.

كذلك قوله في النبي عليه الصلاة والسلام غاليا فيه أعظم الغلو قال:

لو ناسبت قدره آياتُه عظما ... أحيى اسمه حين يدعى دارس الرمم

يقول إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يعط آية تناسب قدره، قال الشرّاح حتى القرآن لا يناسب قدر النبي - صلى الله عليه وسلم -، والعياذ بالله، يقولون القرآن المتلو بخلاف غير المتلو عند الأشاعرة؛ لأنهم يفرقون بين هذا وهذا.

فهذا البوصيري يقول (لو ناسبت قدره) يعني النبي عليه الصلاة والسلام (لو ناسبت قدره آياته عظما) يعني في العظمة (أحيى اسمه حين يدعى دارس الرمم) لكان لا يناسب قدره إلا إذا ذكر اسمه على ميْت قد درس وذهب رميمه في الأرض وذهبت عظامه لتجمعت هذه العظام وحيي لأجل ذكر اسم النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه، وهذا من أنواع الغلو الذي يحصل من الذين يعبدون غير الله جل وعلا ويتوجهون إلى الأنبياء والرسل فيجعلون في حقهم من خصائص الألوهية ما لا إذن لهم به؛ بل هو من الشرك الأكبر بالله جل وعلا ومن سوء الظن بالله ومن تشبيه المخلوق بالخالق، وهذا كفر والعياذ بالله.

يقابل ذلك -هناك حد مأذون به، و هناك غلو- والحالة الثالثة الجفاء، الجفاء في حق الصالحين وهذا بعدم موالاتهم وعدم احترامهم وعدم إعطائهم حقَّهم وترك محبة الصالحين.

فكل تقصير في الأمر يعدّ جفاء وكل زيادة فيه يعد غلوا.

قال (وقول الله عز وجل: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171] ) قوله (يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) مناسبته للباب ظاهرة؛ أي أنه نهى أهل الكتاب عن الغلو فقال (يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) ووجه الاستدلال أنه قال (لاَ تَغْلُوا) ، و (تَغْلُوا) هنا فعل جاء في سياق النهي وهذا يعم جميع أنواع الغلو في الدين، (لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) يعني لا تغلوا بأي نوع من أنواع الغلو في الدين، فنهوا عن أي نوع من أنواع الغلو، هذا موطن الشاهد ووجه الاستدلال من الآية على الحديث.

وإذا كان كذلك دخل في هذا العموم الغلو في الصالحين، والمتأمل لحال أهل الكتاب ولما قصّ الله جل وعلا من أخبارهم يجد أنهم قد غلوا في صالحيهم, قد غلا النصارى في عيسى وفي أمه وفي حوارييه، وقد على اليهود أيضا في عزير وفي أصحاب موسى وفي أحبارهم وفي رهبانهم وهكذا.

فحصل الغلو من أهل الكتاب، تارة بأن جعلوا الرسل والأنبياء لهم خصائص الألوهية من جهة التوجه لهم، وقد قال الله جل وعلا لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت