فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 260

هذا الذي بُيِّن من أوضح الواضحات, الأبواب السالفة دالة بظهور ووضوح على إحقاق عبادة الله وحده وعلى إبطال عبادة كل من سوى الله جل جلاله وتقدست أسمائه.

فإذن ما سبب وقوع الشرك؟ كيف وقع الشرك في الأمم؟

جاء الشيخ رحمه الله بهذا الباب وما بعده ليبين أن سبب الشرك وسبب الكفر هو الغلو الذي نهى الله جل وعلا عنه ونهى عنه رسوله - صلى الله عليه وسلم - سواءٌ في هذه الأمة أم في أمم من قبل، فسبب وقوع الشرك هو الغلو في الصالحين، هذا أحد أسباب وقوع الكفر والشرك؛ بل هو سببها الأعظم.

قال هنا (باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين) هذا ذكر للأسباب بعد ذكر الأصول والعقائد.

قال هنا (هو الغلو في الصالحين) الغلو مأخوذ من غلا في الشيء، يغلو غُلُوًّا إذا جاوز به حدّه، وقد جاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رمى الجمرات بحصيات قال «بمثل هذه فارموا وإياكم والغلو» يعني مجاوزة الحد حتى في حجم تلك الحصاة وفي مقدار الحصى، قال (بمثل هذه فارموا) فإذا جاوز في المثلية بأن رمى بكبيرة فإنه قد غلا؛ يعني جاوز الحدَّ الذي حُدّ له في ذلك. فإذن الغلو هو مجاوزة الحد.

قال هنا (الغلو في الصالحين) معناه أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم الذي أمرهم الله به هو مجاوزة الحد الذي أُذن به في الصالحين.

والصالحون يشمل الأنبياء والرسل ويشمل أيضا الأولياء ويشمل كل من اتصف بالصلاح في الأمم، وأصل كلمة (الصالحون) أصلها جمع الصالح، والصالح هو اسم من قام به الصلاح، والصلاح في الكتاب والسنة:

· تارة يكون بمعنى نفي الفساد؛ ما يقابل الفساد.

· وتارة بمعنى ما يقابل السيئات.

فيقال صالح بمعنى ليس بذي فساد، ويقال أيضا صالح بمعنى ليس بسيئ، فهذا جاء وهذا جاء.

والصالحون هنا المراد بهم أهل الصلاح؛ يعني أهل الطاعة والإخلاص لله جل وعلا الذين اجتنبوا الفساد واجتنبوا السيئات، وهم الذين اشتركوا في فعل الطاعات وتر ك المحرمات أو كانوا من السابقين بالخيرات، فاسم الصالح يقع شرعا على المقتصد وعلى السابق بالخيرات؛ فالمقتصد صالح والسابق بالخيرات صالح وكلٌّ درجات عند الله جل وعلا.

قال (هو الغلو في الصالحين) يعني مجاوزة الحد في الصالحين, ما هو الحد الذي أَذِن به الشرع في الصالحين حتى نعلم ما الذي يكون مجاوزة له؟ الصالحون أُذِن في حقهم بأن يحبّوا في الله وأن يوقروا في الله وأنْ يُقتدى بهم في صلاحهم وفي علمهم، وإذا كانوا من الرسل والأنبياء فإنه يؤخذ بشرائعهم وبما أمروا به ويتبع ذلك ويقتدى بآثارهم.

هذا هو الحد الذي أُذن به؛ احترام ومحبة ومولاة لهم ودفع عنهم ونصرة لهم ونحو دلك من المعاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت