فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 260

فأهل السبق بالخيرات من عباد الله الصالحين لا يجوز أن تعظم قبورهم وأن يُغلى فيها بظن أن البقعة التي حول القبر بقعة مباركة؛ لأن هذا جاء فيه الوعيد الذي يأتي في هذا الباب وغلظ فيه عليه الصلاة والسلام.

قال (فكيف إذا عبده؟) يعني هذا التغليظ جاء فيمن اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، ومن أسرج على القبور أو من عظم القبور وعظم من فيها وعبد الله جل وعلا عندها؛ عبد الله وحده، جاء فيه اللعن وجاء فيه أنه من شرار الخلق عند الله.

فكيف إذا توجّه ذلك العابد، إلى ذلك القبر يدعوه، أو يرجوه، أو يخافه، أو يأمل منه، أو يستغيث به، أو يصلي له، أو يذبح له، أو يستشفع به؟ لاشك أن هذا أعظم وأعظم في التغليظ من عبادة الله وحده عند قبر رجل صالح.

لهذا قال الشيخ رحمه الله من تأمل هذه الأحاديث التي سترد فإنه - هذا مقتضى كلام الشيخ في التبويب- يجد أن التغليظ يكون أشد وأشد لو كان في القلوب إيمان ومحبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - يكون أشد وأشد إذا عُبد صاحب ذلك القبر، فإذا صُلي له هل هو بمنزلة من صلى عنده؟ ذاك وسيلة وهذا غاية هذا شرك أكبر، فأولئك شرار الخلق عند الله مع أنهم فعلوا وسائل الشرك ووسائل المحرمات، فكيف بمن فعل الشرك الأكبر بعينه وتوجه إلى قبور الصالحين واتخذها أوثانا مع الله جل وعلا؟ لاشك أن هذا أبلغ وأبلغ في التغليظ؛ وذلك لأنه من الشرك الأكبر المخرج من ملة الإسلام إذا فعله مسلم.

قال (فكيف إذا عبده؟) ، (عبده) يعني عبد القبر أو عبد الرجل؛ لأن العبادة -عبادة القبوريين- تارة تتوجه إلى القبر، وتارة تتوجه إلى صاحب القبر؛ بل وتارة توجه إلى ما حول القبر، فالأبنية المحاطة بالقبور في قبور الأولياء عندهم التي بنيت على القبور وصارت مشاهد تارة تتخذ تلك الستور الحديدية أنها آلهة، فإذا تمسحوا بها رجوا منها البركة واتخذوها وسيلة إلى الله جل وعلا، يعكفون عندها فيتخذون تلك المشاهد أوثانا يعبدونها ويرجونها ويخافونها، وإذا ضم أحدهم إلى صدره تلك المشاهد أو الحديد أو الستور ونحو ذلك فكأنه صار مقرّبا عند الله وقبلت وسيلته تلك، وهذا نوع من أنواع اتخاذ المشاهد أوثانا.

كذلك اتخاذ القبور أوثانا، أو اتخاذ الرجل الصالح الذي هو متبرئ من أولئك ومن عبادتهم له يتخذونهم آلهة مع الله إذا توجهوا إليهم بالعبادة، وقد علمنا أن العبادة معناها واسع، وأنه قد تكون بالصلاة له، أو بدعوته، بسؤاله، بطلبه كشف المدلهمات أو جلب الخيرات، أو الذبح له، أو وضع النذور له ونحو ذلك من أنواع العبادة.

وهذا هو الواقع عند أولئك الذين يعبدون الأوثان وقبور الصالحين.

قال (في الصحيح عن عائشة، أن أُمّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأرض الْحَبَشَةِ، وما فيها من الصور، فقال عليه الصلاة والسلام: «أُولَئِكِ, إِذَا مات فِيهِمُ الرّجُلُ الصّالِحُ أو العبد الصالح، بَنَوْا عَلَىَ قَبْرِهِ مَسْجِداً، وَصَوّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصّوَرَ أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ الله» ) أم سلمة رضي الله عنها لما كانت في الحبشة رأت كنيسة، ورأت في تلك الكنيسة صور الصالحين، فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال (أُولَئِكِ, إِذَا مات فِيهِمُ الرّجُلُ الصّالِحُ) ، قد يكون نبيا من أنبيائهم أو عبدا من عباد الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت