الصفحة 73 من 157

الذي أثبته القرآن لما في التوراة هو تصديق للحق الذي فيها، و ليس تصديقا مطلقا لما فيها من قصص و عقائد و عقائد.

و منها أيضا إن من خصائص علاقة قصص القرآن بقصص التوراة، إنها علاقة إدانة، وذم لليهود، و كشف لما كانوا يخفونه من حقائق، و يرتكبونه من جرائم. كقوله تعالى: (( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) )-الجمعة: 5 - ، و (( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ) )-المائدة: 15 - ، و (( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ ) )-المائدة: 78 - ، و (( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ) )-البقرة: 72 - ، و (( قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) )-المائدة: 24 - ، و (( وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ) )-البقرة: 51 - .

و منها إنها علاقة تصحيح و تقويم، فقصص القرآن تُصحح أخبار التوراة من جهة، و لا تقع في أخطائها من جهة أخرى. و هذا أمر نصّ عليه القرآن في قوله تعالى: (( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) )-النمل: 76 - ،و (( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ) )-الكهف: 13 - . و مثال ذلك أن التوراة اتهمت النبي سليمان-عليه السلام- أنه انحرف سلوكيا، و أشرك بالله، و عبد الأصنام [1] . لكن القرآن الكريم أنكر ذلك و برأ سليمان في قوله تعالى: (( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ) )-البقرة: 102 - .

و من ذلك أيضا أن التوراة ذكرت أن بني إسرائيل عندما كانوا في مصر كان عددهم كبيرا، فقدرتهم بمليونين إلى ثلاثة ملايين نسمة. لكن القرآن الكريم أشار إلى أن عددهم كان قليلا، في قوله تعالى: (( إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ) )-الشعراء: 54 - . فالعدد الذي ذكرته التوراة مُبالغ فيه كثيرا، و مُخالف للشرع و لحقائق التاريخ، و لا يقبله أي باحث علمي نزيه [2] ، فالقرآن الكريم صحح خطأ التوراة و لم يقع فيه.

و منها أيضا أن قصص القرآن رفعت الأنبياء مكانا عليا إلى مكانهم الذي يليق بهم، و جعلتهم قدوة مثالية للناس، و نزّهتهم عن الوقوع في الشرك و الكفر، و ارتكاب الجرائم و الفواحش. لكن التوراة خلاف ذلك تماما، فقد وصفت الأنبياء بمختلف الصفات القبيحة، و نسبت إليهم شتى أنواع القبائح و الانحرافات العقدية و السلوكية.

(1) سيأتي توثيق ذلك لا حقا.

(2) أنظر: لؤي فتوحي، و شذى الدركزلي: التاريخ يشهد بعظمة القرآن، ص: 215، 216.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت