الصفحة 22 من 157

و أما استدلاله الخامس فيتمثل في أنه استدل بحديث صلح الحديبية، الذي تمّ في السنة السادسة للهجرة. فذكر أنه توجد أخبار تُفيد، و بعضها يُؤكد على أن النبي-عليه الصلاة و السلام- كتب و قرأ بعض المناسبات، منها حادثة صلح الحديبية، و خلاصتها -حسب رواية مسلم عن الصحابي البراء بن عازب، التي أوردها الجابري- أنه لما أمر رسول الله بكتابة وثيقة الصلح مع ممثل قريش، و كتب علي بن أبي طالب: محمد رسول الله، اعترض ممثل قريش، و أمر بأن يُكتب أسم محمد و أبيه؛ فأمر النبي-عليه الصلاة و السلام- عليا بأن يزيل عبارة: رسول الله، فامتنع علي، فقال له: أرني مكانها، فمحاها و كتب ابن عبد الله )) . و قد تدخل الجابري في توجيه ما نقلناه عنه بإضافة اسم النبي أمام: و كتب، فأصبحت الجملة هكذا: (( أرني مكانها، فمحاها و كتب(النبي) ابن عبد الله )). ثم أشار الجابري إلى أن نفس الرواية ذكرها البخاري مع زيادة عبارة من الراوي، هي: (( و ليس يُحسن يكتب ) ). فأصبحت العبارة هكذا: (( فاخذ رسول الله -صلى الله عليه و سلم- الكتاب و لا يُحسن أن يكتب. فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ) ) [1] .

و أقول: إن استنتاجه - من حديث صلح الحديبية- بأن رسول الله كان يعرف القراءة و الكتابة، هو استنتاج غير صحيح، لأن الحديث الذي أورده و اعتمد عليه، لا ينص صراحة على أن النبي-عليه الصلاة و السلام- هو الذي كتب اسمه بيده في المرة الثانية. لأنه بما أن عليا- رضي الله عنه- هو الذي كان يكتب، و أن رسول الله محا عبارة: رسول الله، ثم قالت الرواية: (( و كتب ابن عبد الله ) )، ف، الأمر يحتمل أمرين، أولهما هو أن النبي-صلى الله عليه و سلم- عندما محا العبارة، كتب علي مكانها عبارة: ابن عبد الله، كتبها مباشرة، أو بأمر من رسول الله. و الأمر الثاني هو أن النبي -عليه الصلاة و السلام- هو الذي -عندما محا عبارة رسول الله- كتب مكانها: ابن عبد الله. فما هو الاحتمال الصحيح؟. إنه الاحتمال الأول، لأنه توجد أدلة و شواهد صحيحة تُثبته. و أما الاحتمال الثاني، فهو احتمال ساقط، و لا توجد شواهد تُثبته.

و أما الشواهد التي تُثبت الاحتمال الأول، فأولها إنه سبق أن أثبتنا أن رسول الله كان أميا لا يقرأ و لا يكتب، و بما أنه كان كذلك ف، ه ليس هو الذي كتب عبارة: ابن عبد الله، و إنما علي-رضي الله عنه- هو الذي كتبها. و هذا الشاهد كاف وحده لإثبات ما قلناه و إبطال ما ذهب إليه الجابري.

و الثاني يتمثل في رواية أخرى رواها البخاري حول صلح الحديبية، ليس فيها أية إشارة أو إيهام بأن النبي-عليه الصلاة و السلام- هو الذي كتب، و إنما أشارت صراحة إلى أن عليا هو الذي كتب، لأنه عندما اعترض ممثل قريش على كتابة: محمد رسول الله، قال رسول الله: إني رسول الله و إن كذبتموني، أكتب محمد بن عبد الله [2] .

(1) الجابري: المرجع السابق، ص: 86.

(2) البخاري: الصحيح، ج 2 ص: 974.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت