عن أية حرفة حكم عليها الفقهاء بالوضاعة إذا زالت علة الحكم - إذ الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا - بفعل التطور الحضاري الذي هو سنة من سنن الحياة، بشرط أن لا يخرج هذا التطور والتغير عن مقاصد الشريعة [1] .
ان الاسلام يفتح ابواب العمل امام المجتمع على مصراعيها ليختار ما تؤهله له كفايته وخبرته وميوله، ولايفرض عليه عملا معينا الا اذا تعين ذلك لمصلحة المجتمع، كما لايسد في وجه المجتمع ابواب العمل الا اذا كان من ورائه ضرر لشخصه او للمجتمع-ماديا كان الضرر ام معنويا- وكل الاعمال المحرمة في الاسلام من هذا النوع، فعلى هذا ان هذا العمل سيدر على صاحبه غلة، او ربحا، واجرا، يمكنه من اشباع حاجاته الاساسية، وتحقيق كفايته وكفاية اسرته-فيتحقق الضمان الاقتصادي لكل عامل في المجتمع واسرته مادام النظام الاسلامي هو الذي يحكم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ويوجهها على وفق احكامه ووصاياه ففي ظل هذا النظام لايحرم عامل جزاء عمله، وثمره جهده، بل يعطى اجره المناسب لجهده، ولكفايته بالمعروف، بلا وكس ولاشطط؛ لانه اذا اعطي اقل مما يسحق فقد ظلم، والظلم من اشد المحرمات في الاسلام [2] . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( ثلاثة انا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته: رجل اعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه اجره ) ) [3] . وان الكفاية معتبرة من ثلاثة أوجه لتحقيق الضمان الاقتصادي للعامل: [4]
(1) ينظر المصدر السابق / 223 - 224، وينظر معجم لغة الفقهاء للاستاذ الدكتور محمد روا قلعةجي والدكتور حامد صادق قنيبي - دار النفائس - بيروت - لبنان - الطبعة الأولى 1405 هـ -1985 م، والطبعة الثانية 1408 هـ -1988 م/211. إن القاعدة الأصولية التي تقول (بأن الحكم دار مع العلة وجودًا وعدمًا) بمعنى أن الاستدلال وجود الأثر على وجود المؤثر، وبانتفائه على انتفائه، ينظر أصول السرخسي 2/ 181، وينظر تخريج الفروع على الأصول للإمام أبي المناقب محمود بن أحمد الزنجاني (ت 656 هـ) رحمه الله تعالى - تحقيق الدكتور محمد أديب صالح - مؤسسة الرسالة - بيروت - الطبعة الثانية 1398 هـ/269.
(2) ينظر مشكلة الفقر/39 - 40.
(3) صحيح البخاري 2/ 776 رقم الحديث 2114.
(4) عناصر الإنتاج/235.