لدينا جندي يريد أن يضرب رصاصة من مسدسه، ولكنه ينتظر سببًا لذلك وهو أمر قائده، ولكن قائده ينتظر أمرًا من قائده، وقائده ينتظر أمرًا من قائده، وهكذا .. فلو افترضنا أن الأمر يستمر إلى ما لانهاية من الأسباب (أو القادة المتسلسلين) : فلن تنطلق الرصاصة أبدًا!! ولكن إذا انطلقت الرصاصة بالفعل: فسنتيقن ساعتها أن هناك قائد متميز (أو سبب خاص مختلف عن بقية الأسباب) قد أوقف هذا التسلسل، قائد لا ينتظر أمرًا من أحد، ولا يسبقه أو يعلوه أحد، وهذا بالضبط تبسيط لفكرة وجود الكون، إذ لو أن الكون عبارة عن مجرد أسباب مادية متسلسلة إلى الأزل كما يزعم الملاحدة: فلم يكن ليوجد أصلًا ولا أنا ولا أنت، ولكن طالما أن الكون موجود الآن وكذلك أنا وأنت: إذن هناك سبب أول (أزلي) ، وهذا يثبت وجوده، لكن مهلًا ....
فها هنا نقطة هامة جدًا ستساعدنا كثيرًا فيما بعد، حتى في الحوار مع اللاديني، ألا وهي: أن تلك (الأزلية) و (الأولية) لها صفات لازمة يمكننا تعريفها واستخراجها كذلك مثل:
أن هذا الأزلي والأول: هو (واجب الوجود) ، فكل شيء في الكون هو (ممكن الوجود) ، أي يمكن تخيل وجوده أو عدمه ولن يتأثر الوجود نفسه في شيء، بعكس (واجب الوجود) الذي إذا لم يوجد: فلن يوجد أي شيء أصلًا كما رأينا في مثال الجندي والرصاصة، كذلك يجب أن يكون (واجب الوجود) كامل الصفات وليس بناقص!! لأن الناقص سيحتاج إلى مَن يكمله!! وهذا الذي يحتاج إليه إما أن يكون موجودًا قبله أو معه!! (مثلًا الإنسان يحتاج الماء والماء موجود قبل حاجة الإنسان إليه، والطفل يحتاج اللبن للرضاعة واللبن يوجد مع تلك الحاجة وهكذا) ، إذن تلك الحاجة تطعن في كون (واجب الوجود) هو أول كل شيء كما قلنا بل يجب أن يكون (كاملًا) غير ناقص ليصح الوجود عقلًا وواقعًا كما نراه الآن، ثم بناء على هذا الكمال: فهو غني عن كل ما سواه أيضًا، لأن الحاجة نقص، والنقص منفي عنه، وهو صادق غير كاذب، لأن الكذب نقص وضعف، وهكذا ...
وبذلك (وكما قلنا) فهذه النقطة يجب أن تقام حُجتها على الملحد وحتى على اللاديني الذي يقول أنا مؤمن بوجود إله (يريد أن يتخطى النقاش في وجود الله) ، حيث يجب أن تنبهه إلى أن اعترافه بوجود إله يجب أن يكون في إطار (كمال) هذا الإله، فإذا وافق فاستمر معه، وإذا لم يوافق: فاستخدم معه نفسه الحُجة مثل الملحد، لأنها ستفيدك كثيرًا عند حواره في لادينيته.
يتبقى شيء أخير وهو ...
أنه لما كان لنقطة السببية كل هذه القوة وما يترتب عليها: فإلى اللحظة يستميت الملاحدة لإثبات أنها قاعدة غير وجودية وغير مستمرة في الكون أو الوجود!! ويحاولون الاستدلال على ذلك ببعض غرائب عالم الكم (وهو العالم المختص بدراسة حركة وفيزياء الجسيمات الأصغر من الذرة) ، والادعاء بأن هناك جسيمات تظهر من (العدم) بغير سبب!! وأن هذا يهدم السببية، وسوف نرى الرد العلمي على كل هذه الادعاءات في وقتها بإذن الله.