(فأتوا حرثكم أنى شئتم) . .
وفي الوقت ذاته تذكروا الغاية والهدف , واتجهوا إلى الله فيه بالعبادة والتقوى ; فيكون عملا صالحا تقدمونه لأنفسكم. واستيقنوا من لقاء الله , الذي يجزيكم بما قدمتم:
(وقدموا لأنفسكم. واتقوا الله. واعلموا أنكم ملاقوه) . .
ثم يختم الآية بتبشير المؤمنين بالحسنى عند لقاء الله , وفي هذا الذي يقدمونه من الحرث , فكل عمل للمؤمن خير , وهو يتجه فيه إلى الله:
(وبشر المؤمنين) . .
هنا نطلع على سماحة الإسلام , الذي يقبل الإنسان كما هو , بميوله وضروراته , لا يحاول أن يحطم فطرته باسم التسامي والتطهر ; ولا يحاول أن يستقذر ضروراته التي لا يد له فيها ; إنما هو مكلف إياها في الحقيقة لحساب الحياة وامتدادها ونمائها! إنما يحاول فقط أن يقرر إنسانيته ويرفعها , ويصله بالله وهو يلبي دوافع الجسد. يحاول أن يخلط دوافع الجسد بمشاعر إنسانية أولا , وبمشاعر دينية أخيرا ; فيربط بين نزوة الجسد العارضة وغايات الإنسانية الدائمة ورفرفة الوجدان الديني اللطيف ; ويمزج بينها جميعا في لحظة واحدة , وحركة واحدة , واتجاه واحد , ذلك المزج القائم في كيان الإنسان ذاته , خليفة الله في أرضه , المستحق لهذه الخلافة بما ركب في طبيعته من قوى وبما أودع في كيانه من طاقات. . وهذا المنهج في معاملة الإنسان هو الذي
يلاحظ الفطرة كلها لأنه من صنع خالق هذه الفطرة. وكل منهج آخر يخالف عنه في قليل أو كثير يصطدم بالفطرة فيخفق , ويشقى الإنسان فردا وجماعة. والله يعلم وأنتم لا تعلمون. .
(والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما) . .
وتكشف الآية الواحدة القصيرة عن حقيقة ما يريده الله للناس بمنهجه وطريقته , وحقيقة ما يريده بهم الذين يتبعون الشهوات , ويحيدون عن منهج الله - وكل من يحيد عن منهج الله إنما يتبع الشهوات - فليس هنالك إلا منهج واحد هو الجد والاستقامة والالتزام , وكل ما عداه إن هو إلا هوى يتبع , وشهوة تطاع , وانحراف وفسوق وضلال.
فماذا يريد الله بالناس , حين يبين لهم منهجه , ويشرع لهم سنته ? إنه يريد أن يتوب عليهم. يريد أن يهديهم. يريد أن يجنبهم المزالق. يريد أن يعينهم على التسامي في المرتقى الصاعد إلى القمة السامقة.
وماذا يريد الذين يتبعون الشهوات , ويزينون للناس منابع ومذاهب لم يأذن بها الله , ولم يشرعها لعباده ? إنهم يريدن لهم أن يميلوا ميلا عظيما عن المنهج الراشد , والمرتقى الصاعد والطريق المستقيم.
وفي هذا الميدان الخاص الذي تواجهه الآيات السابقة: ميدان تنظيم الأسرة ; وتطهير المجتمع ; وتحديد الصورة النظيفة الوحيدة , التي يحب الله أن يلتقي عليها الرجال والنساء ; وتحريم ما عداها من الصور , وتبشيعها وتقبيحها في القلوب والعيون. . في هذا الميدان الخاص ما الذي يريده الله وما الذي يريده الذين يتبعون الشهوات ?
فأما ما يريده الله فقد بينته الآيات السابقة في السورة. وفيها إرادة التنظيم , وإرادة التطهير , وإرادة التيسير , وإرادة الخير بالجماعة المسلمة على كل حال.
وأما ما يريده الذين يتبعون الشهوات فهو أن يطلقوا الغرائز من كل عقال: ديني , أو أخلاقي , أو
اجتماعي. . يريدون أن ينطلق السعار الجنسي المحموم بلا حاجز ولا كابح , من أي لون كان. السعار المحموم الذي لا يقر معه قلب , ولا يسكن معه عصب , ولا يطمئن معه بيت , ولا يسلم