فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 149

{وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ} أي: من التقرب إلى الله بفعل الخيرات, ومن ذلك أن يباشر الرجل امرأته, ويجامعها على وجه القربة والاحتساب, وعلى رجاء تحصيل الذرية الذين ينفع الله بهم.

{وَاتَّقُوا اللَّهَ} أي: في جميع أحوالكم, كونوا ملازمين لتقوى الله, مستعينين بذلك لعلمكم، {أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ} ومجازيكم على أعمالكم الصالحة وغيرها.

ثم قال: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} لم يذكر المبشر به ليدل على العموم, وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وكل خير واندفاع كل ضير, رتب على الإيمان فهو داخل في هذه البشارة.

وفيها محبة الله للمؤمنين, ومحبة ما يسرهم, واستحباب تنشيطهم وتشويقهم بما أعد الله لهم من الجزاء الدنيوي والأخروي.

وفي تفسير ابن عثيمين رحمه الله:

نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (البقرة:223)

التفسير:

{223} قوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم} يعني زوجاتكم موضع حرث لكم، كما تكون الأرض حرثًا للزارع يبث فيها الحب؛ فيخرج الحب، وينمو، ويُنتفع به؛ كذلك النساء بالنسبة للرجال حرث يضع فيها الإنسان هذا الماء الدافق، فينزرع في الرحم حتى ينمو، ويخرج بشرًا سويًا.

قوله تعالى: {فأتوا حرثكم} : الفاء للسببية، أو للتفريع؛ والمراد بـ «الحرث» هنا موضع الحرث - وهو الفرج -.

قوله تعالى: {أنى شئتم} أي من حيث شئتم؛ فـ {أنى} ظرف مكان؛ والمعنى: ائتوا هذا الحرث من أي جهة شئتم؛ من جهة القبل - يعني الأمام -؛ أو من جهة الخلف؛ أو على جنب؛ المهم أن يكون الإتيان في الحرث؛ وقد زعمت اليهود أن الرجل إذا أتى امرأته من دبرها في قبلها صار الولد أحول؛ وكذبوا في ذلك؛ وقد أنزل الله تكذيبهم في هذه الآية: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} .

قوله تعالى: {وقدموا لأنفسكم} يعني الطاعات، وما ينفعنا عند الله عزّ وجلّ؛ وإنما قال ذلك بعد ذكر إتيان النساء حتى لا ننشغل بهؤلاء النساء عن تقديم ما ينفعنا يوم القيامة؛ ومن التقديم للنفس أن يبتغي الإنسان بإتيان أهله تحصين فرجه، وتحصين فرج امرأته؛ وطلب الولد الصالح، وما أشبه ذلك مما يقارن الجماع من الأعمال الصالحة بالنية.

قوله تعالى: {واتقوا الله} : لما أمرنا بالتقديم لأنفسنا بالأعمال الصالحة أمرنا بالتقوى - وهي فعل أوامره -، واجتناب نواهيه.

قوله تعالى: {واعلموا أنكم ملاقوه} أي في يوم القيامة؛ لقوله تعالى: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا فملاقيه * فأما من أوتي كتابه بيمينه ... } [الانشقاق: 6، 7] الآيات.

قوله تعالى: {وبشر المؤمنين} أي أخبرهم بما يسرهم؛ و «المؤمن» هنا يتضمن المسلم؛ وعلى هذا فلا بد مع الإيمان من عمل صالح.

الفوائد:

1 -من فوائد الآية: أن النساء حرث للرجال؛ بمعنى موضع زراعة.

2 -ومنها: أن الرجل حرٌّ في الحرث: إن شاء فعل؛ وإن شاء لم يفعل؛ لكن عليه أن يعاشر زوجته بالمعروف في كل ما يعاملها به؛ لقوله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء: 19] ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت