وإطلاق الحرث على المحروث وأنواعه إطلاق متعدد فيطلق على الأرض المجعولة للزرع أو الغرس كما قال تعالى *وقالوا هذه أنعام وحرث حجر* أي أرض زرع محجورة على الناس أن يزرعوها.
وقال *والخيل المسومة والأنعام والحرث* أي الجنات والحوائط والحقول.
وقال *كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته* أي أهلكت زرعهم.
وقال *فتنادوا مصبحين أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين* يعنون به جنتهم أي صارمين عراجين التمر.
صفحة: 626
والحرث في هذه الآية مراد به المحروث بقرينة كونه مفعولا لفعل *فأتوا حرثكم* وليس المراد به المصدر لأن المقام ينبو عنه، وتشبيه النساء بالحرث تشبيه لطيف كما شبه النسل بالزرع في قول أبي طالب في خطبته خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل.
والفاء في *فأتوا حرثكم أنى شئتم* فاء فصيحة لابتناء ما بعدها على تقرر أن النساء حرث لهم، لا سيما إذا كانوا قد سألوا عن ذلك بلسان المقال أو بلسان الحال.
وكلمة *أنى* اسم لمكان مبهم تبينه جملة مضاف هو إليها، وقد كثر استعماله مجازا في معنى كيف بتشبيه حال الشيء بمكانه، لأن كيف اسم للحال المبهمة يبينها عاملها نحو كيف يشاء وقال في لسان العرب: إن *أنى* تكون بمعنى *متى*، وقد أضيف *أنى* في هذه الآية إلى جملة *شئتم* والمشيئات شتى فتأوله كثير من المفسرين على حمل *أنى* على المعنى المجازي وفسروه بكيف شئتم وهو تأويل الجمهور الذي عضدوه بما رووه في سبب نزول الآية وفيها روايتان. إحداهما عن جابر بن عبد الله والأخرى عن ابن عباس وتأوله الضحاك على معنى متى شئتم وتأوله جمع على معناه الحقيقي من كونه اسم مكان مبهم، فمنهم من جعلوه ظرفا لأنه الأصل في أسماء المكان إذا لم يصرح فيها بما يصرف عن معنى الظرفية وفسروه بمعنى في أي مكان من المرأة شئتم وهو المروي في صحيح البخاري تفسيرا من ابن عمر، ومنهم من جعلوه اسم مكان غير ظرف وقدروا أنه مجرور ب *من* ففسروه من أي مكان أو جهة شئتم وهو يئول إلى تفسيره بمعنى كيف، ونسب القرطبي هذين التأويليم إلى سيبويه.
فالذي يتبادر من موقع الآية وتساعد عليه معاني ألفاظها أنها تذييل وارد بعد النهي عن قربان النساء في حال الحيض.
فتحمل *أنى* على معنى متى ويكون المعنى فأتوا نساءكم متى شئتم إذا تطهرن فوزانها وزان قوله تعالى *وإذا حللتم فاصطادوا* بعد فوله *غير محلي الصيد وأنتم حرم*.
ولا مناسبة تبعث لصرف الآية عن هذا المعنى إلا أن ما طار بين علماء السلف ومن بعدهم من الخوض في محامل أخرى لهذه الآية، وما رووه من آثار في أسباب النزول يضطرنا إلى استفصال البيان في مختلف الأقوال والمحامل مقتنعين بذلك، لما فيه من إشارة إلى اختلاف الفقهاء في معاني الآية، وإنها لمسألة جديرة بالاهتمام، على ثقل في جريانها، على الألسنة والأقلام.
روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن جابر بن عبد الله: أن اليهود قالوا إذا أتى الرجل امرأته مجبية جاء الولد أحول، فسأل المسلمون عن ذلك فنزلت *نساؤكم حرث لكم* الآية وأخرج أبو داود عن ابن عباس قال: كان هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن من هذا الحي من اليهود وهو