في خطبته خديجة للنبيء صلى الله عليه وسلم [الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل] والفاء في {فأتوا حرثكم أنى شئتم} فاء فصيحة لابتناء ما بعدها على تقرر أن النساء حرث لهم، لا سيما إذا كانوا قد سألوا عن ذلك بلسان المقال أو بلسان الحال. وكلمة (أنى) اسم لمكان مبهم تبينه جملة مضاف هو إليها، وقد كثر استعماله مجازًا في معنى كيف بتشبيه حال الشيء بمكانه، لأن كيف اسم للحال المبهمة يبينها عاملها نحو {كيف يشاء} (آل عمران: 6) وقال في «لسان العرب» : إن (أنى) تكون بمعنى (متى) ، وقد أضيف (أنى) في هذه الآية إلى جملة (شئتم) والمشيئات شتى فتأوله كثير من المفسرين على حمل (أني) على المعنى المجازي وفسره بكيف شئتم وهو تأويل الجمهور الذي عضدوه بما رووه في سبب نزول الآية وفيها روايتان. إحداهما عن جابر بن عبد الله والأخرى عن ابن عباس وتأوله الضحاك على معنى متى شئتم وتأوله جمع على معناه الحقيقي من كونه اسم مكان مبهم، فمنهم من جعلوه ظرفًا لأنه الأصل في أسماء المكان إذا لم يصرح فيها بما يصرف عن معنى الظرفية وفسروه بمعنى في أي مكان من المرأة شئتم وهو المروي في «صحيح البخاري» تفسيرًا من ابن عمر، ومنهم من جعلوه اسم مكان غير ظرف وقدروا أنه مجرور بـ (من) ففسروه من أي مكان أو جهة شئتم وهو يئول إلى تفسيره بمعنى كيف، ونسب القرطبي هذين التأويلين إلى سيبويه. فالذي يتبادر من موقع الآية وتساعد عليه معاني ألفاظها أنها تذييل وارد بعد النهي عن قربان النساء في حال الحيض. فتحمل (أني) على معنى متى ويكون المعنى فأتوا نساءكم متى شئتم إذا تطهرن فوزانها وزان قوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا بعد قوله: غير محلى الصيد وأنتم حرم} (المائدة: 2) . ولا مناسبة تبعث لصرف الآية عن هذا المعنى إلا أن ما طار بين علماء السلف ومن بعدهم من الخوض في محامل أخرى لهذه الآية، وما رووه من آثار في أسباب النزول يضطّرنا إلى استفصال البيان في مختلف الأقوال والمحامل مقتنعين بذلك، لما فيه من إشارة إلى اختلاف الفقهاء في معاني الآية، وإنها لمسألة جديرة بالاهتمام، على ثقل في جريانها، على الألسنة والأقلام. روى البخاري ومسلم في «صحيحهما» عن جابر بن عبد الله: أن اليهود قالوا إذا أتى الرجل امرأته مجبية جاء الولد أحول، فسأل المسلمون عن ذلك فنزلت {نساؤكم حرث لكم} الآية وأخرج أبو داود عن ابن عباس قال: كان هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن مع هذا الحي من اليهود وهم أهل كتاب وكانوا يرون لهم فضلًا عليهم في العلم فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب ألا يأتوا النساء إلا على حرف وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحًا (أي يطأونهن وهن مستلقيات عن أقفيتهن) ومقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه وقالت: إنما كنا نؤتَى على حرف فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني حتى شَرِي أمرُهما (أي تفاقم اللجاج) فبلغ ذلك النبي فأنزل الله: {فأتوا حرثكم أنى شئتم} أي مقبلات كن أو مدبرات أو مستلقيات يعني بذلك في موضع الولد، وروي مثله عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم في الترمذي، وما أخرجه الترمذي عن ابن عباس قال: جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هلكتُ قال وما أهلكك؟ قال: حوَّلْت رحلي الليلة (يريد أنه أتى امرأته وهي مستدبرة) فلم يردَّ عليه رسول الله شيئًا فأوحى الله إلى رسوله هذه الآية: {نساؤكم حرث لكم} الآية. وروى البخاري عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه فأخذت عليه المصحف يومًا فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى {فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال: تدري فيم أنزلت؟ قلت: لا قال: أنزلت في كذا وكذا وفي رواية عن نافع في البخاري «يأتيها