وإذا قامت هذه المحكمة الملائكية وتقررت في اعتبار النفس، قام منها على النفس شرعٌ نافذٌ هو قانون الإرادة المميِّزة، تُريد الحسنات وتعملُ لها، وتخشَى السيئات وتنفرُ منها، فإذا معاني الجسد يحكم بعضها بعضًا، لا لتحقيق الحكومة والسلطة، ولكن لتحقيق الخير والمصلحة، وإذا نواميس الطبيعة المجنونة في هذا الحيوان قد نهضتْ إلى جانبها نواميسُ الإرادة الحكيمة في الإنسان، وإذا كل صغيرة وكبيرة في النفس هي من صاحبها مادةُ تُهْمَةٍ عند قاضيها في محكمتها، وإذا كلُّ ما في الإنسان وما حولَ الإنسان لا يُراد منه إلا سلامُ النفس في عاقبتها، وإذا معنى السلام هو المعنى الغالبُ المتصرِّفُ بالإنسانية في دنياها.
وكلُّ أعمال الإسلام وأخلاقِه وآدابه فتلك هي غايتها، وهذه هي فلسفتها، لا يقررها للإنسانية حَسْبُ، بل يغرسها في الوراثة غرسًا بالاعتياد والمران الدائم؛ لتكون علمًا وعملًا، فتمكِّنَ لسلام النفس بين الأسلحة المسدَّدة إليها من ضرورات الحياة، في أيدي الأعادي المتألِّبة عليها من شهوات الغريزة.
فليس يعمُّ السلام إلا إذا عمَّ هذا الدين بأخلاقه فشمَلَ الأرض أو أكثَرَها؛ فإن قانون العالم حينئذ يصبح منتزَعًا من طبيعة التراحم، فإمَّا انتسخَ به قانونُ التنازع الطبيعي، وإما كسَرَ من شرَّته، ويُولد المولود يومئذ، وتولدُ معه الأخلاق الإنسانية.