وهو دين يعلو بقوة ويدعو إليها، ويريد إخضاع الدنيا وحكمَ العالم، ويستفرغ همَّه في ذلك، لا لإعزاز الأقوى وإذلال الأضعف، ولكن للارتفاع بالأضعف إلى الأقوى.
وفَرْقُ ما بين شريعته وشرائع القوة أن هذه إنما هي قوة سيادة الطبيعة وتحكُّمها، أما هو فقوة سيادة الفضيلة وتغلُّبها، وتلك تعمل للتفريق، وهو يعمل للمساواةِ، وسيادةُ الطبيعة وعملها للتفريق هما أساس العبودية، وغلبة الفضيلة وعملُها للمساواة هما أعظم وسائل الحرية.
ومن هنا كان طبيعيًا في الإسلام ما جاء به من أنه لا فضيلة إلا وهو يطبع عليها صورةَ الجنة بنعيمها الخالد، ولا رذيلةَ إلا وهو يضع عليها صورة النار الأبدية وَقُودُها الناس والحجارة؛ فلا تنظرُ العينُ المسلمة إلى أسباب الحياة نظرةَ الفكر المنازع: يحرص على ما يكون له، ويَشْرَهُ إلى ما ليس له، ويمكُرُ الحيلةَ، ويبدعُ وسائلَ الخداع، ويزيدُ بكل ذلك في تعقيد الدنيا.
بل نظرة القلب المسالم: يخْلع الدنيا ويسخو بكل مضنون فيها؛ فيعفُّ عن كثير، ويعرف الإنسانية ويطمع في غاياتها العليا؛ فيعفو عن كثير، ويُدرك أن الحلال _ وإنْ حلَّ _ فوراءه حسابه، وأن الحرامَ _ وإن غرَّ _ ليس إلا تعلُّلُ ساعة ذاهبة ثم من ورائه عقاب الأبد.
ويخرج من ذلك أن يكون أكبرُ أغراض الإسلام هو أن يجعلَ من خشية الله _تعالى_ قانونَ وجود الإنسان على الأرض؛ فمن أي عِطْفَيْهِ التفتَ هذا الإنسان وجد على يمنته ويَسرته مَلَكين من ملائكة الله يكتبان أعمالَه بخيرها وشرها.