وإذا تعذر على المسلمين إقامة أحكام دينهم، وتأييد أنظمته الاجتماعية، وآدابه الخلقية والبيتية _ وجب عليهم الانتقال إلى البلد الذي يعمل فيه بأحكام الإسلام وآدابه؛ تكثيرًا لسواد المسلمين، وإعزازًا لأمر الدين، واستعدادًا لنصره وتأييده في العالمين.
وإذا لم يكن للمسلمين بلد تتوافر فيه هذه الشروط وجب عليهم أن يتجمعوا في بقعة صالحة يقيمون فيها نظام الإسلام تامًَّا كاملًا، ويتعاونون على حماية دعوته، واتخاذ الأسباب والوسائل؛ لتحقيق رسالة الإسلام كما جاء بها صاحبها _ صلوات الله عليه _ وكما فهمها منه أصحابه والتابعون لهم بإحسان.
هذه هي حكمة الهجرة، وهذا هو الباعث عليها، والداعي لها.
فالإسلام يجب أن يكون له وطن تقام فيه معاني الإسلام كلها، ويُعمل فيه بأحكامه وأنظمته في دواوين الدولة، ومرافق الأمة، ومعاملات الأفراد، وآداب البيوت، بقدر ما يعمل فيه بشعائر العبادات، وبقدر ما تُحمى فيه حقائق العقيدة التي لا يكون الإسلام إسلامًا إلا بها.
وقد غفل عن هذه الظاهرة من أمر الإسلام بعض الذين دخلوا فيه على عهد رسول الله"فلبثوا في وطنهم مكة مستضعفين بها لا يستطيعون إعلاء كلمة الله؛ لغلبة الباطل يومئذ على الحق، ولا يهاجرون منها إلى المدينة، فيقوى بهم الإسلام؛ فنزل فيهم قول الله _ عز وجل _: [إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ _ أي بعد إقامة دينهم في بلدهم، وتخلفهم عن نصره وتأييده في دار هجرته _قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ؟ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا؟ فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا] ."