ولو أن الله _ سبحانه _ لم يبعث رسوله بالإسلام قبل بضعة عشر قرنًا لكانت حكمته العظمى ورحمته بالبشر جديرةً بأن تحسن إليهم الآن برسالة الإسلام نفسها دون غيرها؛ لما انطوت عليه من اعتدال ورفق ومعالجة عملية لجميع مشاكل المجتمع، وإقرار للأوضاع المألوفة لبني الإنسانية، مع تهذيبها بإبقاء ما فيها من حق وخير، وتجريدها من كل ما يتصل بأسباب الجور والحيف والضرر؛ فالزمن الذي نحن فيه أنسب الأزمان بقبول الإنسانية مبادئ الإسلام وأحكامه مطبقة على كل مشاكل العصر، ومنظمة تنظيمًا يسهل على رجال التشريع وزعماء الشعوب وقادة الفكر الاستفادة منها في معالجة مشاكلهم، والتفهم لما انطوت عليه من حكمة، ومصلحة، وخير.
فهذا التنظيم العصري لمبادئ الإسلام وأحكامه يجب أن يكون من أهم ما تتوجه إليه همم الجامعيين والمثقفين _ فضلًا عن أفاضل علماء الأزهر ونجباء طلابه _.
ولا يكون ذلك إلا بالوفاء لهذا التراث، والإخلاص له، والصبر عليه، وأخذه من ينابيعه، وفهمه فهمًا سليمًا كما كان يفهمه الصحابة والتابعون، وهو من العموم والشمول بحيث يصلح لكل زمان ومكان.
وإذا كان عقل عالم بريطاني كبير كالمستر مارماديوك بكثول اقتنع بأن زمن إلقائه تلك المحاضرة كان أنسب الأزمان وأصلحها لتعميم النظام الإسلامي في الأرض فإن ما بعد الحرب العالمية الأخيرة أكثر ملاءمة لذلك.
وبعد فإن المسلمين ما برحوا _ من مئات السنين _ حريصين على إحياء ذكرى مولد الهادي الأعظم، ولكن بما نعرفه من أقوال وأشكال ومظاهر.