وقد خرج من بين يدي محمد"رجال عظماء، ولم يتلقوا من العلم غير ما كانوا يتلقونه في مجلسه من حكمته، فكانوا منبع علم وأدب، وأدركوا في حصافة الرأي وقوة الحجة الأمد الأقصى."
وأما خُلقه فهذه السيرة المستفيضة في القرآن وعلى ألسنة الرواة وأقلامهم تنطق وتلوح بأنه قد بلغ الذروة في كل خلق كريم، وبَسْطُ القول في هذا الصدد لا يغني فيه سفر، بل أسفار.
وأما إخلاصه فقد كان صافي السريرة لا يبغي إلا هديًا، ولا ينوي إلا إصلاحًا، والإخلاص روح العظمة وقطب مدارها.
وأقرب شاهد على إخلاصه في دعوته أنه لم يحد عن سبيل الزهد في هذه الحياة قيد أنملة؛ فعيشه يوم كان يتعبد في غار حراء كعيشه يوم أظلت رايته البلاد العربية، وأطلت على ممالك قيصر من ناحية تبوك.
وأما صدق عزيمته فقد قام"يدعو إلى العدل ودين الحق ويلقى من الطغاة والطغام أذىً كثيرًا، فيضرب عنه صفحًا أو عفوًا، ويمضي في سبيل الدعوة لا يأخذه يأس، ولا يقعد به ملل، ولا يثنيه جزع، وقد ظهر دين الله وَعَلتْ حكمته بهذا العزم الذي تخمد النار ولا يخمد، وينام المشرفي ولا ينام."
وأما عمله فتهجد وصيام، وتشريع وقضاء، ووعظ وإرشاد، وسياسة وجهاد، وهل من سيرة تُبْتَغى لعظمة يرضى عنها الله، ويسعد بها البشر غير هذه السيرة؟
وهل يستطيع أحد أن يدلنا على رجل كان ناسكًا مخلصًا، ومشرعًا حكيمًا، وقاضيًا عادلًا، ومرشدًا ناصحًا، وواعظًا بليغًا، وسياسيًا أمينًا، ومجاهدًا مصلحًا، وفاتحًا ظافرًا، وسيدًا تذوب في محبته القلوب، غير المصطفى _ عليه الصلاة والسلام _؟
وأما حسن بيانه فقد أحرز _ عليه الصلاة والسلام _ من خصلتي الفصاحة والبلاغة الغاية التي ليس وراءها لمخلوق غاية، فانظروا إن شئتم إلى مخاطباته وخطبه، وما يضربه من الأمثال، وينطق به من جوامع الكلم تجدوا جزالة اللفظ، ومتانة التركيب، وسهولة المأخذ، إلى رفعة الأسلوب، إلى حكمة المعنى.