عَظَمَةٌ انتظمت من هذه المزايا العالية؛ فبلغت حد الإعجاز، وكل درة في عقد حياة محمد _ عليه الصلاة والسلام _ معجزة (1) .
هذا وإن مما يبعث على الأسى، ويدعو إلى الأسف والحسرة ما تناقلته وسائل الإعلام في الأيام الماضية، حيث تناولت ما تبثه صحف الدانمارك والنرويج تلك الصحف التي ما فتئت تنال من مقام النبوة بأسلوب ساخر، ينم عن حقد دفين، وحسد يأكل قلوبهم، ويأبى لها إلا تغالط الحقائق، وتتيه في أودية الزور والبهتان؛ ظانين أن ذلك ينزل من مقام النبوة الأعظم فتيلًا أو قطميرًا.
وفي تعب من يحسد الشمس نورها ... ويجهد أن يأتي لها بضريب
[يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ] (التوبة:32) .
ولقد ساء ذلك الفعل الشائن قلوب المسلمين، وتتابعت أقلام الكتاب في رد ذلك الزيف، وإبطال ذلك الكيد؛ فكان من ذلك بعثٌ لفضائل هذا النبي الكريم _عليه من الله أفضل الصلاة وأتم التسليم_.
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
وفضيلة النبي"لم تطوَ، وإنما تتجدد، وتتلألأ كالبدر في سماء صاحية، وكالشمس في رأْد الضحى."
ولعل من أعظم أسرار سيرة نبينا محمد أنها تمتاز عن سير سائر العظماء بأنها لا تُسْتَنْفَد مهما كتب فيها من كتب؛ فسير العظماء _ على الجملة _ يقوم بأمرها، ويغني في شأنها أن تكتب مرة أو مرات، ثم تستنفد معانيها، ويصير الحديث فيها معادًا مكرورًا تغني فيه أعمال الأسلاف عن محاولات الأخلاف.
ولقد عُني المؤرخون والرواة بالسيرة النبوية منذ صدر الإسلام حتى يومنا هذا، وصدر فيها كثير من الكتب في عدة لغات، ومع ذلك لم تخْلَق جِدَّتُها، بل إنها لتزداد على كثرة ما يكتب فيها جدَّة وَرُوَاءًَا.
(1) انظر محمد رسول الله وخاتم النبيين للشيخ محمد الخضر حسين 5_7، 204_206.