وعندما تخلى العلماء عن مهامهم في توجيه الناس، وانشغلوا بمهام تستهلك الوقت والجهد، فتح المجال لفئات من الجهلة، أو حديثي عهد بالعلوم الشرعية لتسنم أماكن التوجيه.
وإن عدم التصدي للقضايا التي طرحها المتهمون بالغلو، وعدم بيان وجه الحق فيها، يعتبر قصورًا من العلماء الثقات، رغم أن القضايا من المعضلات، التي اشتبهت على كثير من الناس ومع ذلك لم تبين البيان الذي تبرأ به الذمة. (213)
هذا وإن أخذ العلم الشرعي من الكتب مباشرة، له مخاطره الكثيرة إذ أن معظم الانحرافات في العقيدة والتصور، مردها إلى تلقي العلم عن الكتب دون واسطة، ونعني بذلك التعليم غير النظامي، والذي لا يشرف عليه عالم رباني، أو شيخ متبصر... حيث صار الشباب يعلمون أنفسهم بأنفسهم، فلا يجدون من يصوب الخطأ والانحراف، وخاصة في قضايا العقيدة، ومن هذه الانحرافات بدعة التكفير. (214)
وفي كثير من البلدان كان يؤتى ببعض المشايخ أو برجال أمن على هيئة مشايخ، ليقول أحدهم بعد حفل من التعذيب الذي لا يطاق أمام الشباب:
(( لقد راجعت مكتبتي كلها فلم أجد شيئًا اسمه الحكم بالقرآن فأنتم مضللون، وشيوخكم يتاجرون بهذه القضية لأن الأنبياء لا يحكمون بالقرآن بل يوصون به. قال تعالى: { شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا .. } [الشورى:13] فإذا كان النبي لا يحكم بالدين بل يوصي به فأنتم فجرتُم عن الأنبياء بطلبكم الحكم بالقرآن ) ). (215)
لقد توالت المحاضرات على الشباب في المعتقلات، يديرها أمثال هذا الشيخ مع حفلات التعذيب، لذا فلا عجب إن فقد الشباب ثقتهم بكثير من العلماء خصوصًا إن كانوا من أعوان السلطان الظالم. (216)