نريد أن نناقش في هذا الفصل بدعة المرجئة الذين يرون أن الأعمال خارجة عن الإيمان، وأن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، ولا يتفاضل الناس فيه بل قالوا: ما هو أسوأ من ذلك، وهو أن ارتكاب جميع المحرمات، وترك جميع الطاعات، لا يذهب شيئًا من الإيمان، إذ لو ذهب منه شيء، لم يبق منه شيء، وهذا ما اتفقت عليه فرقهم كلها. (83)
وقد جعل المرجئة أن أعظم أركان الإسلام وهو الشهادتان، بمنزلة شهادة الشهود أو القرائن الظاهرة، التي قد يكون الواقع مخالفًا لها، حتى أنهم قالوا: إن من سبّ الله، أو قتل الرسول، يجوز أن يكون مؤمنًا في الباطن، ولا يكون كافرًا قط، إلا إذا انتفى العلم الباطن من قلبه ... وما سوى ذلك لا نجزم بكفره، وإن أقمنا عليه أحكامه الظاهرة.
وينقض هذه الآراء الضالة:
1 -حقيقة الجيل الأول وواقع هذا الدين.
2 -إجماع علماء السلف على ضلال هذه المعتقدات.
3 -الأدلة الصريحة من الكتاب والسنة على فساد آراء المرجئة هذه.
1 -حقيقة الجيل الأول وواقع هذا الدين:
كانت حقيقة الجيل الأول الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حقيقة حية للإيمان كما فهموه وتربوا عليه لقد كانت حياتهم حلقات قاسية من المعاناة والتربية بالأحداث والتجارب والفتنة والابتلاء.
كان الإيمان الراسخ في القلوب يحرك ذلك الجيل لأعمال ضخمة، فكانت التضحيات وكانت الغزوات والسرايا وكان الجهاد ينشر هذا الدين، كل ذلك يعتبر برهانًا ساطعًا على حقيقة دين الله تعالى، وحقيقة النفس التي يجب أن تؤمن به وتستقيم عليه، مع صراع مستمر لدحر الجاهلية بكل أشكالها.
(( وقد استمرت سيرتهم امتدادًا لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد بكل ضروبه، ففتحوا الآفاق والبلاد وفتحوا القلوب والعقول ونقلوا للناس هدى نبيهم حيًا ماثلًا، فما انقضى عصرهم حتى أنفقت كنوز كسرى وقيصر في سبيل الله ...