وقد كان لثورة ابن الأشعث، وظهور الحجاج عليه، ثم ملاحقة العلماء والبطش بهم، أسوأ الأثر في بروز قرن الإرجاء هذا بين صفوف هؤلاء البائسين، المستسلمين للأمر الواقع، كما تجرأ الذين كانوا مرجئة من قبل فأعلنوا مذهبهم واستغلوا آثار الهزيمة لنشره، كما نشط الخوارج وخلت لهم الساحة أكثر من ذي قبل .... (62)
وقد قام أئمة أهل السنة والجماعة بجهد مشكور لمقاومة هذه الفكرة ومحاصرتها في مهدها ... إذ لاحظ العلماء أن مذهب هؤلاء المرجئة الفقهاء يتضمن أن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان.
فهذا الأوزاعي رحمه الله يقول: (( كان يحيى بن أبي كثير، وقتادة، يقولان ليس من أهل الأهواء شيء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء ) ). (63)
ويقول إبراهيم النخعي التابعي المشهور، وقد عاصر أحداث الحجاج (64) : (( الإرجاء بدعة، إياكم وهذا الرأي المحدث ) )وقال عن المرجئة: (( تركوا هذا الدين أرق من الثوب السابري ) )ومن أقواله أيضًا فيهم: (( لفتنتهم عندي أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة ) ).
ورغم أن القائلين بالإرجاء كانوا عبادًا زهادًا في الغالب إلا أن أهل السنة والجماعة لم يألوا جهدًا في مقاومة فكرهم، ولذلك فلا غرابة إذا تشدد ورثة هؤلاء التابعين من أئمة السنة على المرجئة مثل: وكيع، وابن المبارك، وابن معين، والإمام أحمد والبخاري، وأبي داود ونحوهم، وذلك أن الإرجاء الغالي قد ظهر في زمنهم. (65)
فهذا هو الخط الأول الذي سار عليه الإرجاء وهو ما سمي بإرجاء الفقهاء، وهو الاكتفاء بالقول دون العمل في مسمى الإيمان، وهذا الإرجاء هو الذي ذمه علماء السلف، (( ولا يفوتنا هنا أن كلمة المرجئة في اصطلاح هؤلاء العلماء - علماء السلف - إنما تعني هذا الإرجاء، أي إرجاء الفقهاء، وظل هذا قائمًا حتى بعد ظهور الجهمية، فكل ذم أو عيب قيل في المرجئة فهو منصرف لهم وحدهم حتى منتصف القرن الثاني تقريبًا، بل هو الأغلب إلى القرن الثالث ) ). (66)