الصفحة 12 من 16

قال ابن كثير رحمه الله: (هذه السورة سورة براءة من العمل الذي يعمله الكافرون) [1] .

وقد زعم بعض الدخلاء على العلم قديمًا أن هذه السورة العظيمة، إقرار للكفار على دينهم، ورغم جلاء تهافت هذا الزعم. فقد تلقفه أحفادهم اليوم ممن يتربعون على منابر الإرشاد والإصلاح!! مستدلين بقوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [الكهف 29] .

وقد أبطل أهل العلم ممن أنار الله بصيرتهم بالقرآن هذا الإفتراء على القرآن والتهجم عليه بأبين حجة وأوضح دليل، فجزاهم الله عن المسلمين خيرًا. وغاية هذا الزعم هو محاولة تسويغ مسايرة الجاهلية ومظاهرة الكفار والمرتدين، حيث أنهم قالوا: إن الآية قد أجازت ذلك! ثم قالوا: إن هذه الآية منسوخة، وطبيعة التدرج المرحلي، توجب العمل ببعض آي القرآن المنسوخ!!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (قوله تعالى: {لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا برئٌ مما تعملون} هي كلمة توجب براءته من عملهم وبرآءتهم من عمله، فإن حرف"اللام"في لغة العرب يدل على الإختصاص، {لكم دينكم ولي دين} يدل على أنكم مختصون بدينكم، لا أشرككم فيه وأنا مختص بديني، لا تشركونني فيه كما قال تعالى: {لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا برئ مما تعملون} [يونس 41] . وليس في هذه الآية أنه رضي بدين المشركين، ولا أهل الكتاب، كما يظنه بعض الملحدين، ولا أنه نهى عن جهادهم كما ظنه بعض الغالطين، وجعلوها منسوخة. بل فيها براءته من دينهم، وبراءتهم من دينه، وأنه لا تضره أعمالهم، ولا يجزون بعمله ولا ينفعهم. وهذا أمر مُحكم لا يقبل النسخ، ولم يرض الرسول صلى الله عليه وسلم بدين المشركين، ولا أهل الكتاب قط. ومن زعم أنه رضي الله بدين الكفار، واحتج بقوله تعالى: {قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين} [الكافرون] . فظن هذا الملحد أن قوله: {لكم دينكم ولي دين} معناه أنه رضي بدين الكفار، فهذا أبين الكذب والإفتراء على محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يرض قط إلا بدين الله الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون} [يونس 41] ، وقوله تعالى: فلذلك فادعُ واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت

(1) تفسير القرآن العظيم 5/ 596

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت