الصفحة 13 من 16

لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم [الشورى 15] . وإذا كان الله سبحانه قد قال: {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين * فإن عصوك فقل إني برىءٌ مما تعملون} [الشعراء 215،216] . فبرأه من معصية من عصاه من أتباعه المؤمنين، فكيف لا يبرئه من كفر الكافرين الذين هم أشد له معصية ومخالفة) [1] .

وقال ابن قيم الجوزية رحمه الله: ( .. اشتمال هذه السورة على النفي المحض، فهذا هو خاصة هذه الصورة العظيمة فإنها سورة براءة من الشرك، كما في وصفها أنها براءة من الشرك، فمقصودها الأعظم هو البراءة المطلوبة بين الموحدين والمشركين. ولهذا أتي بالنفي في الجانبين تحقيقًا للبراءة المطلوبة، هذا مع أنها متضمنة للإثبات صريحًا فقوله {لا أعبد ما تعبدون} براءة محضة ولا أنتم عابدون ما أعبد اثبات أن له معبودًا يعبده وأنتم بريئون من عبادته فتضمنت النفي والإثبات وطابقت قول إمام الحنفاء {إنني برآءٌ مما تعبدون * إلا الذي فطرني .. } [الزخرف 26،27] ، وطابقت قول الفتية الموحدين {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله} ) .

( .. إثباته هنا بلفظ يا أيها الكافرون دون يا أيها الذين كفروا فسِره والله أعلم إرادة الدلالة على أن من كان الكفر وصفًا ثابتًا له لازمًا لا يُفارقه، فهو حقيق أن يتبرأ الله منه، ويكون هو أيضًا بريئًا من الله. فحقيق بالموحد البراءة منه، فكان في معرض البراءة التي هي غاية البعد والمجانبة بحقيقة حاله التي هي غاية الكفر وهو الكفر الثابت اللازم في غاية المناسبة فكأنه يقول كما أن الكفر لازم ثابت لا تنتقلون عنه، فمجانبتكم والبراءة منكم ثابتة دائمًا أبدًا، ولهذا أتى فيها بالنفي الدال على الإستمرار مُقابلة الكفر الثابت المستمر وهذا واضح) .

( .. فكيف يُقال إن الآية اقتضت تقريره لهم - معاذ الله من هذا الزعم الباطل - وإنما الآية اقتضت البراءة المحضة كما تقدم وأن ما هم عليه من الدين لا نُوافقكم عليه أبدًا، فإنه دين باطل فهو مختص بكم لا نشرككم فيه ولا أنتم تشركوننا في ديننا الحق، فهذا غاية البراءة والتنصل من موافقتهم في دينهم، فأين الإقرار حتى يدعى النسخ؟) [2] .

(1) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 2/ 30،32

(2) بدائع الفوائد 1/ 138،141

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت