قال الله تعالى: {قد كان لكم أسوة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده} [الممتحنة 4] .
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله: (لما نهى الله المؤمنين عن موادة الكفار اقتضى ذلك معاداتهم والبراءة منهم ومجاهرتهم بالعدوان في كل حال) [1] .
قال ابن كثير رحمه الله: (يقول تعالى لعباده الذين أمرهم بمصارمة الكافرين وعدواتهم ومجانبتهم والتبري منهم ثم ذكر الآية) [2] .
قال الشوكاني رحمه الله: (لما فرغ الله سبحانه من النهي عن موالاة المشركين والذم لمن وقع منه ذلك، ضرب لهم إبراهيم مثلًا حين تبرأ من قومه) [3] .
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: (الموضع الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم لما قام يُنذرهم عن الشرك، ويأمرهم بضده وهو التوحيد، لم يكرهوا، واستحسنوا، وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه، إلى أن صرح بسبِّ دينهم، وتجهيل علمائهم، فحينئذ شمَّروا له ولأصحابه عن ساق العداوة، وقالوا: سفه أحلامنا، وعاب ديننا، وشتم آلهتنا. ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يشتم عيسى وأمه، ولا الملائكة ولا الصالحين. لكن لما ذكر أنهم لا يُدعون ولا ينفعون ولا يضرون، جعلوا ذلك شتمًا. فإذا عرفت هذه عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحد الله وترك الشرك، إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم والبغض، كما قال تعالى: {لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الأخر يُوادون من حاد الله ورسوله} [المجادلة 22] . فإذا فهمت هذا فهمًا جيدًا، عرفت أن كثيرًا من الذين يدّعون الدين لا يعرفونها، وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك والعذاب، والأسر، والضرب، والهجرة إلى الحبشة، مع أنه ز أرحم الناس، لو يجد لهم رخصة لأرخص لهم، كيف وقد أنزل الله: ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في
(1) بدائع الفوائد 3/ 69
(2) تفسير القرآن العظيم 4/ 367
(3) فتح القدير 5/ 212