فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 36

6 -ومن ذلك: تقليد الآباء والأسلاف من غير دليل ولا برهان [1] . وهذا أيضا من مسائل الجاهلية بل إن أصل كفرهم هو هذا التقليد [2] ، قال تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} [3] ، وقال تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا، أو لو كان أباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون} [4] .

7 -ومن ذلك: أعمال الناس خاصة العلماء، فكثير من العامة يحتجون على جواز الشيء بهذا، ويقولون لو كان حراما أو مكروها لامتنع منه العالم، فقد صار عمل العالم عند العامي حجة كما كان قوله حجة على الإطلاق [5] . ولذلك فقد قيل:"ثلاث تهدم الدين: زلة العالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة ضالون". وقد حذرنا الله تعالى من فساد العلماء في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله} [6] [7] . وقال ابن الحاج [8] :"وهذا هو الذي أذهب شريعة عيسى عليه السلام: أعني التقليد لأحبارهم ورهبانهم دون دليل يدلهم على ذلك حتى صار أمرهم أنه في كل جمعة من الأحد إلى الأحد يجدد لهم القسيس شريعة جديدة بحسب ما يراه لهم من المصلحة في وقته على ما يقتضيه نظره وتسديده على زعمه، فتجدهم يخرجون من كنائسهم وهم يقولون لقد جدد اليوم شريعة مليحة. وقد عصم الله والحمد لله هذه الشريعة فالحذر من هذا الداء العضال"اهـ.

وبالجملة فأقوال المشايخ والعلماء وأعمالهم ليست بحجة في مخالفة ما ثبت بالدليل الشرعي، ولا يجوز تقديمها بين يدي الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإلا لأدى ذلك - والعياذ بالله - إلى تبديل هذه الشريعة كما بدل اليهود والنصارى بما شَرَعَه لهم الأحبار والرهبان، قال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [9] . ومن أمثلة الاحتجاج بأفعال الناس أن بعض الملاحدة يستدلون على فساد هذا الدين بما وقع بين المسملين من الفتن على طول تاريخهم.

وأن بعض الفسقة يستدلون على إباحة الملاهي والموسيقى بما كان يقع من بعض المسلمين، أو الاستدلال بتخلف المسملين على عدم صلاحية دينهم لهذا العصر. وكل هذا وما قبله لا يستدل به على حق أو باطل، أو في تحليل أو تحريم خاصة مع مخالفة الأدلة الشرعية، بل الشريعة بأدلتها المعتبرة حاكمة على كل هذا بالصحة أو بالبطلان.

وخلاصة هذا الأصل الثالث (حرمة التقديم بين يدي الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -) هو أنه يجب على المسلم أن يُمَيِّز بين ما هو حجة شرعية (دليل معتبر) فيعمل به، وما ليس بحجة

(1) الاعتصام للشاطبي: 1/ 160 - 164.

(2) مسائل الجاهلية لمحمد بن عبد الوهاب: المسألة الرابعة والسادسة.

(3) سورة البقرة.

(4) سورة المائدة.

(5) الاعتصام للشاطبي: 2/ 100.

(6) سورة التوبة.

(7) مسائل الجاهلية لمحمد بن عبد الوهاب: المسألة الخامسة.

(8) في المدخل: ج1/ ص94 - 95.

(9) سورة التوبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت