فالقائد يجب أن يكون منطقيًا؛ أحيانًا تجد إنسانًا يفعل شيئًا غير منطقي، فغير منطقي أن تدخل مستودع متفجرات فتجد بنزين، فإذا سألت من وضع البنزين هنا؟ يقول لك:"والله يا شيخ لا يوجد مكان وجاء البنزين فوضعناه هنا"، فأول سؤال تسأله:"أين عقلك؟ ألم يخطر في بالك أنه من الممكن أن يحدث حريق؟!"، وأخطاء مثل هذه أودت بأرواح وجاءت بمصائب وأصلها من العقل.
ولكن إذا كنّا نطالب الرجل المخطئ أن لا يُخطئ، فالمطلوب من القائد بعد وقوع الخطأ أن لا يفقد أعصابه أمام الجنود، فهنا مطلوب منه الحِلم، أن يتصبّر ويتعقّل ويأخذ الجندي لوحده ويعاتبه ويجازيه أو حتى يفصله، ولكن لا تنهار أعصابه أمام الناس، وهذا من الحلم.
قال:[ثم يتعرَّى عَن ستة أشياء؛ عَن الحدة -يعني العصبية عكس الحلم-، والعجلة والحسد والهوى والكذب وترك المشاورة.
ثم ليلزم في سياسته على دوام الأوقات ثلاثة أشياء: الرفق في الأمور، والصبر على الأشياء، وطول الصمت.
فمن تعرَّى عن هذه الأشياء وهو ذو سلطان؛ عَمِيَ عليه قلبه وتشتَّتت عَلَيْهِ أموره، ومن لم يكن فيه خصلة من هذه الخصال نقص من ضوء بصر قلبه مثلها، ودخل الخلل في أموره نحوها. وإنما مثل الرئيس والرعية كمثل جماعة ليس فيهم إلا قائد واحد، فإن لم يكن ذلك القائد أحدُّ الناس بصرًا وألطفهم نظرًا كان خليقًا أن يُوقعهم وإياه في وَهْدَةٍ تَنْدَقُّ أعناقهم وعنقه معهم.].
وسبحان الله الإنسان عندما يقع على هذه الحِكَم يتأسّف على الوقت الذي يُضيعه في القيل والقال والكلام والنوم والأشياء غير المفيدة، لأنّك عندما تقرأ هذه الأشياء تنتصب أمامك مرآة وتبدأ تنظر لنفسك، فتبدأ تستدرك على نفسك، فمع كثرة مجالسة من فيهم هذه الخصال وكثرة مجالسة الكتب التي تتكلم عن أخلاق الرجال تبدأ تكتسب هذه الأخلاق شيئًا فشيئًا.
هناك أشياء فطرنا الله -سبحانه وتعالى- عليها لا نستطيع أن نغيّرها، فهي مثل لون عيونك وطولك لا تستطيع أن تغيّرها وجفّ القلم عن ما هو كائن، ولكن هناك صفات تُكتسب كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: (إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ [1] ، (ومن يَتَصَبَّر يُصَبِّره الله [2] (، فهذه كلها صفات مُكتَسَبَة.
(1) حسنهُ الألباني في صحيح الجامع: 2328.
(2) صحيح البخاري (1469) .