وهذا هو المطلوب من كلّ سياسي ومن كلّ قائد، يعني أن يكون عنده العقليّة الشطرنجية؛ فلاعب الشطرنج يُقدّم الحجر ويتأمّل ما هي الحركات التي يمكن أن يفعلها خصمه، فيقول إن عمل الاحتمال واحد فسينشأ عنه كذا وكذا، وإذا عمل الاحتمال الثاني فسينشأ عنه كذا وكذا، وإذا عمل الاحتمال الثالث فسينشأ عنه كذا وكذا، فإذا في الأول سبع احتمالات وفي الثاني اثنين وفي الثالث تسعة، يصبح عنده 18 احتمال يُخزّنهم في عقله، ثم يفاضل بين كل هذه الاحتمالات ويأخذ بأقّلها خسائر وأكثرها مكاسب فيُقدم عليها.
يتفاضل لاعبي الشطرنج في العالم بطاقتهم على فهم وحفظ الاحتمالات، حتى أنّ بطل الشطرنج في الاتحاد السوفييتي لعب مع كمبيوتر أي بي إم (IBM) من أجل أن يُحسّنوا قدرات الكمبيوتر في الاحتمالات.
وأنا رأيته في التلفزيون جاء ولعب مع أعضاء السلك الدبلوماسي في موسكو، فلعب مع 27 سفيرًا في 27 طاولة، فكان يمر على الأول ويلعب معه ويحفظ احتمالاته، ثم يمر على 26 الآخرين، واللاعب الأول عنده فرصة ليفكر على راحته حتى يلعب مع الباقين.
هذه العقليّة القادرة على حساب الاحتمالات مهمّة في العمليات العسكرية، فتقول لو تقدمنا من هنا فعند العدو فرصة أن يتقدم من هنا أو يلتف منه أو يفعل كذا، وهكذا لو أقدمنا على عمل معين ما هي الاحتمالات، ولو فعلنا كذا فما هي احتمالات ردة فعل الطلبة وأثرها على الباكستان وأثرها على كذا، وتبدأ تدرس الاحتمالات، فهي عملية معقدة جدًا، تحتاج فيها للمعرفة وللثقافة العامّة، ولكن إذا لم يوجد عندك عقل يستطيع تحليل هذه المعلومات فليس منها أي فائدة، فهذا يدل على المقصود من العقل.
قال: [وأن يتخيّر الموقف الأجود أمام كلّ احتمال.]
وهذا الأمر عبّر عنه عمرو بن العاص -رضي الله عنه- وهو من دهاة العرب، فكان مع معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه-، فكان معاوية يتباهى فقال:"ما دخلت في معضلة إلا خرجت منها"، وهذا من الدهاء، فقال له عمرو بن العاص:"ما أدخلت نفسي في معضلة قطّ حتى أتجشّم حسابات الخروج منها". فهذا من رجاحة العقل، فمع أنّه مستوى عظيم من رجاحة العقل أنك إذا دخلت في مشكلة تخرج منها، ولكن مستوى أعظم منه أن لا تدخل أصلًا.
وعرّف العقل فقال: [سرعة الفهم، وغاية إصابة الوهم، وليس للذكاء غاية، ولا لجودة المعرفة نهاية] .