فقضية لا إله إلا الله إذن قضية دائمة في حياة البشرية .. لا يدعى إليها الكفار وحدهم لكي يؤمنوا ، ولا المشركون وحدهم ليصححوا اعتقادهم ، ولكن يدعى إليها المؤمنون بها كذلك ويذكّرون بها ، لكي تظل حية في قلوبهم ، راسخة في ضمائرهم ، عاملة في واقع حياتهم ، لا يفترون عنها ، ولا يغفلون عن مقتضياتها:"يا أيها الذين آمنوا ، آمنوا .."
ولا عجب أن تكون قضية لا إله إلا الله هي القضية !
وليس السبب في اهتمام القرآن بها أنه كتاب دين ! إنما السبب في ذلك أنه الكتاب الذي يحدد منهج الحياة للإنسان (1) !
فحياة الإنسان لا تستقيم حتى يعلم"الحق"الذي خلقت به السماوات والأرض ، وحتى تتوافق حياته مع ذلك الحق ، فلا تنحرف عنه ، ولا تشذ عن مقتضياته .
والحق أنه لا إله إلا الله .. هو الخالق وحده ، وهو الرازق وحده ، وهو المسيطر وحده ، وهو المدبر وحده ، وهو القيوم وحده .. ولا أحد غيره يخلق أو يرزق أو يدبر الأمر ..
ومقتضى ذلك كله أن يُعْبَدَ وحده ، لا يشرك به غيره ، ولا توجه العبادة لأحد سواه ..
وفضلا عن كون ذلك هو حق الله على عباده ، إذ أن حق الخالق الرازق المنعم المتفضل ألا توجه العبادة إلى غيره ممن لم يخلق ولم يرزق ولم ينعم ولم يتفضل ..
فضلا عن ذلك فهي قضية الإنسان ذاته ..
فالله الخالق الرازق المنعم المتفضل حقيق بأن تفرد له العبودية لأنه هو المتفرد بالألوهية والربوبية . ولكنه - سبحانه وتعالى - غني عن العباد وعبادتهم ، لا يؤثر في ملكه أن يعبده عباده أو يكفروا به !
يقول الله في الحديث القدسي:"يا عبادي ، لو أن مؤمنكم وكافركم ، برّكم وفاجركم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، ولو أن مؤمنكم وكافركم ، بركم وفاجركم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئا" (2) .
(1) أشرت إلى هذا المعنى في كتاب"دراسات قرآنية".
(2) أخرجه مسلم .