ولكن استمرار الحديث عن هذه القضية في السور المدنية ، بعد استقرار العقيدة ، وقيام المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية ، والتزام ذلك المجتمع بتكاليف الإسلام ومقتضياته ، وعلى رأسها الجهاد في سبيل الله .. كل ذلك له دلالته الواضحة على الأهمية الذاتيه لهذه القضية ، حتى بالنسبة للمؤمنين الذين تخاطبهم الآيات المدنية مبدوءة بقوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا .."وأن قضية التوحيد - قضية لا إله إلا الله - ليست حديثا يذكر لفترة من الوقت ثم ينتقل منه إلى غيره ، إنما هي حديث يذكر ثم ينتقل معه إلى غيره .. حديث لا ينقطع في أيِّ وقت من الأوقات .
وربما كانت هذه الآية في سورة النساء حاسمة الدلالة فيما ذهبنا إليه:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا ) (1) .
فالذين يُدْعَون إلى الإيمان هم المؤمنون بالفعل:"يا أيها الذين آمنوا"! والذين يُدْعَوْن إلى الإيمان به هو الذي آمنوا به بالفعل ! فهم يدعون إلى الإيمان بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ، والله يقول عنهم في آخر سورة البقرة: ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ .. ) !
(1) سورة النساء [ 136 ] .