( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (1) .
أما استخلاص جانب من العبادة التي فرضها الله على الإنسان - وهو الشعائر التعبدية - والزعم بأنها وحدها هي المؤدية إلى الفوز في الآخرة ، وإهمال الجانب الآخر من العبادة على زعم أنه جانب أرضي متعلق بالحياة الدنيا ، وأن في إهماله قربى إلى الله .. فقد كان أهم ما تركوه ، وأخطره أثرا في حياة الأمة ، هو المقتضى الواقعي للا إله إلا الله ! أو قل بعبارة أخرى: المقتضى السياسي والاقتصادي والاجتماعي للا إله إلا الله !
حين وقعت الأمة في هذه المجموعة من الانحرافات: تفريغ لا إله إلا الله من مقتضاها الحقيقي ، وتحولها إلى كلمة تقال باللسان ، بغير دلالة ولا رصيد واقعي . وحصر مفهوم العبادة في شعائر التعبد . وتحوّل عقيدة القضاء والقدر إلى سلبية وقعود عن الأخذ بالأسباب ، وتخل عن دور الإنسان الإيجابي في الأرض . ووضع الدنيا والآخرة موضع التقابل والتخيير ، ثم اختيار الآخرة وإهمال الدنيا ..
حين وقعت كل هذه الانحرافات في حياة الأمة لم يكن غريبا إذن أن يختل مفهومها عن الحضارة وأن تهمل عمارة الأرض .
لقد كان فهم الأجيال الأولى من المسلمين للحضارة مستمدًا من روح الإسلام ، ومتفردا ككل شيء في هذا الدين .
فإذا كانت جاهليات معاصرة لمولد الإسلام وسابقة له ولاحقة قد ركزت على المعنى الروحي للحضارة ، وأهملت الحياة الدنيا ، وأهملت العمارة المادية للأرض ، بوصفها أمورا ألصق بالحس ، وأقرب إلى متاع الجسد ، والجسد ملعون ومحتقر ومستقذر ..
(1) سورة آل عمران [ 104 ] .