يومئذ ستتغير حياتهم كلها .. وينفضون عنهم الهوان والذل ، والضياع والتيه ، والفقر والجهل والمرض ، ويمكّن الله لهم مرة أخرى في الأرض كما وعد الله سبحانه .. لا بعصا سحرية ، ولكن بالجهد والعرق والدماء والدموع .. ولكنه لن يكون كالجهد الذي يبذلونه اليوم في التيه ، والعرق الذي يبذلونه في الذل ، والدماء التي يبذلونها ضريبة لذلك الذل ، والدموع التي يسكبونها حسرة على الضياع ..
إنما ستكون كلها في سبيل الله .. فيبارك الله بها في الحياة الدنيا .. ويجزي عليها في الآخرة بالجنة والرضوان .
من أخطر الانحرافات التي وقعت فيها الأجيال المتأخرة من المسلمين - بعد انحرافهم في فهم لا إله إلا الله - انحرافهم في تصور مفهوم العبادة .
وحين يعقد الإنسان مقارنة بين المفهوم الشامل الواسع العميق الذي كانت الأجيال الأولى من المسلمين تفهمه من أمر العبادة ، والمفهوم الهزيل الضئيل الذي تفهمه الأجيال المعاصرة ، لا يستغرب كيف هوت هذه الأمة من عليائها لتصبح في هذا الحضيض الذي تعيشه اليوم ، وكيف هبطت من مقام القيادة والريادة للبشرية كلها ، لتصبح ذلك الغثاء الذي تتداعى عليه الأمم تنهشه من كل جانب ، كما تنهش الفريسةَ الذئابُ . ويعلم الإنسان في الوقت ذاته الطريق الذي ينبغي أن تسلكه الصحوة الإسلامية وهي تجاهد لرفع هذا الغثاء من حضيضه الذي يعيش فيه ، ليعود كما أراده الله أن يكون: ( خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) (1) .
كان المفهوم الصحيح للعبادة في حسن الأجيال الأولى أن عبادة الله هي غاية الوجود الإنساني كله ، كما فهموا من قوله تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (2) .
(1) سورة آل عمران [ 110 ] .
(2) سورة الذاريات [ 56 ] .