( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ) (1)
الإيمان بالقضاء والقدر جزء رئيسي من عقيدة المسلم ، كما بينها حديث جبريل عليه السلام:"الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره" (2) .
وهو من مميزات هذه الأمة في تاريخها الطويل .
ولكنه كان في حس الأجيال الأولى من هذه الأمة قوة دافعة بناءة محركة ، بقدر ما صار في حس الأجيال المتأخرة منها قوة سلبية هدامة مخذّلة ، حين انحرف مفهوم القضاء والقدر في حسها عن صورته الصحيحة التي عاشت بها الأجيال الأولى وبنت وعمرت وتحركت .
والصورة الظاهرة واحدة في الحالين ، ولكن شتان ما بين هذه وتلك في حقيقة الأمر .. كما حدث في كل شيء في حياة هذه الأمة !
إن ألفاظ الشهادة التي كانت تنطقها الأجيال الأولى من المسلمين هي ذات الألفاظ التي جرت على لسان الأجيال المتأخرة"أشهد ألا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدًا رسول الله"ولكن الأولى كانت تهز الأرض كلها وتحركها لأنها كانت تعمل في واقع الأرض برصيدها الكامل وشحنتها الكاملة ، والأخيرة لم تعد تصنع شيئا في الأرض ، بل لم تعد تستطيع حتى أن تحافظ على الوجود الإسلامي أمام الغزو العسكري والسياسي والاقتصادي ، وأمام الغزو الفكري الذي هو أخطر من هؤلاء جميعا ، لأنها صارت كلمة بغير شحنة ولا رصيد !
وحركات الصلاة من قيام وقعود وركوع وسجود ، وقرآن يتلى ، وألفاظ تردد ، هي هي منذ كانت إلى اليوم لم يتغير فيها شيء . ولكنها كانت تقام فتعلن عن وجود أمة حية قوية مهيبة ، لأنها كانت تؤدَّى على حقيقتها ، وتؤدِّي مقتضاها ، فتعلن عن وجود الأمة التي حققت في عالم الواقع غاية الوجود الإنساني ، فكان لها من ثم الغلبة على أية أمة أخرى لا تحقق هذا الوجود على صورته الصحيحة ، تحقيقا لسنة الله في الأرض:
(1) سورة الأنعام [ 132 ] .
(2) أخرجه الشيخان .