إن هذه الآية الكريمة كانت تمثل في حسهم معنى هائلا جدا ، وعميقا جدا ، وشاملا لكل حياة الإنسان . فالقرآن نازل بلغتهم ، وهم يفهمون إيحاءات تلك اللغة ، ويدركون أسرار بلاغتها . فيدركون من معنى الآية أن غاية الوجود الإنساني كله محصورة في العبادة لا تتعداها إلى شيء غيرها على الإطلاق . فالنفي والاستثناء هما أقوى صور الحصر والقصر في اللسان العربي . ومعناهما النفي البات من جهة والحصر الكامل من الجهة الأخرى: نفي أي غاية للوجود البشري غير عبادة الله ، وحصر غاية هذا الوجود كله في عبادة الله ! (1)
وكانوا إلى جانب ذلك يحسون إحساسا صادقا بعظمة الله - جل جلاله - فيحسون تبعا لذلك بما ينبغي للعبد - في مقام عبوديته - تجاه الله - في مقام ألوهيته - من إخلاص العبودية له ، وإخلاص العبادة .. سواء .
(1) يثير بعض الناس جدلا ذهنيا لا طائل وراءه ، مفاده أن الإنسان خلق للابتلاء لا للعبادة ، استنادا إلى قوله تعالى: ( إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ) [ سورة الانسان: 2 ] وقوله تعالى: ( خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) [ سورة الملك: 2 ] وقوله تعالى: ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) [ سورة الكهف: 7 ] والقرآن لا يناقض بعضه بعضا إنما يفسر بعضه بعضا ويفصله . فلا تناقض بين هذه الآيات جميعا ، إذ أن الابتلاء الذي يتعرض له الإنسان في حياته الدنيا هو جعل ما على الأرض زينة لها ثم اختبار الإنسان في موقفه من هذه الزينة: هل يلتزم فيها بعبادة الله ، أي يقف في استمتاعه بها عند ما أحل الله ، أم يعبد الشيطان فيتجاوز حدود الله ؟ ومن ثم تصبح عبادة الله هي المطلب ، وهي غاية الوجود الإنساني ولا شيء سواها .