ومن ثم لم ينحصر مفهوم العبادة في حسهم في نطاق الشعائر التعبدية وحدها ، كما انحصر في حس الأجيال المتأخرة التي جاءت بفهم للإسلام غريب عن الإسلام .
إن شعائر التعبد لا يمكن بداهة أن تكون هي كل"العبادة"المطلوبة من الإنسان . فما دامت غاية الوجود الإنساني كما تنص الآية الكريمة محصورة في عباة الله ، فأنّى يستطيع الإنسان أن يوفي العبادة المطلوبة بالشعائر التعبدية فحسب ؟!
كم تستغرق الشعائر من اليوم والليلة ؟ وكم تستغرق من عمر الإنسان ؟
وبقية العمر ؟ وبقية الطاقة ؟ وبقية الوقت ؟ أين تنفق وأين تذهب ؟ تنفق في العبادة أم في غير العبادة ؟ وإن كانت في غير العبادة فكيف تتحقق غاية الوجود الإنساني التي حصرتها الآية حصرا كاملا في عبادة الله ؟ وكيف يجوز للإنسان - من عند نفسه - أن يجعل لوجوده - أو لجزء من وجوده - غاية لم يأذن بها الله ؟
إن الإنسان لا يستطيع - مهما حاول - أن يقضي واجب العبادة المفروض عليه نحو الله من خلال الشعائر التعبدية وحدها ، من صلاة وصيام وزكاة وحج ..
ليس الإنسان مَلَكًا .. ولن يكون .
والملائكة - وحدهم فيما نعلم - هم ذلك الخلق النوراني الشفيف الذي يسبح الليل والنهار لا يفتر: ( وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ ) (1) وهم - وحدهم - الذين لا يعصون الله في أمر من الأمور: ( لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (2) .
(1) سورة الأنبياء [ 19 - 20 ] .
(2) سورة التحريم [ 6 ] .