أما الإنسان ، ذلك الكائن المخلوق من قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله ، المشتمل - إلى جانب روحه الشفيفة - على جسد يكدح وينزع ، ويأكل ويشرب ، ويتعب وينام ، وعقل يفكر في تدبير مطالب الحياة الحسية والمعنوية ، ويسرح بخواطره في شتى المجالات ، فإنه لا يستطيع أن يعبد الله على طريقة الملائكة التي تسبح الليل والنهار لا تفتر ، ولا تنشغل عن التسبيح ..
ولو شاء الله أن يكلف الإنسان العبادة على طريقة الملائكة لمنحه طاقة الملائكة في التسبيح الدائم بغير فتور ، ولركبه منذ البدء تركيبا آخر ، لا يفتر ولا يكل ولا يمل ، لأن الله من رحمته لا يكلف نفسا إلا وسعها ، ويجعل العبادة المفروضة على كل كائن من خلقه متناسبة مع طبيعة ذلك الكائن ، ومع حدود طاقاته ..
والكون كله - بما فيه من كائنات - عابد لربه بأمر ربه (1) .. وكلُّ على طريقته الخاصة كما هيأه الله:
( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) (2) .
( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ .. ) (3)
( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) (4) .
ولكن الله - سبحانه وتعالى- قد شاء أن يخلق الإنسان على نمط متفرد بين جميع الكائنات ..
(1) فيما عدا العصاة من الجن والإنس .
(2) سورة الإسراء [ 44 ] .
(3) سورة الحج [ 18 ] .
(4) سورة فصلت [ 11 ] .