فقد علم الله - سبحانه وتعالى - أن مهمة الخلافة في الأرض التي خلق الإنسان من أجلها تحتاج إلى دوافع تدفع الإنسان إلى العمل والحركة والإنتاج من أجل تعمير الأرض ، وهو أحد الأهداف المطلوبة من الإنسان ، والمقدرة له في مقامه في الأرض:
( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) (1) .
( هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) (2) .
كما أنها من وسائل"المتاع"الذي قدره الله للإنسان في الأرض:
( وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) (3) .
وهي في الوقت ذاته نقطة الابتلاء التي خلق الإنسان لها:
( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) (4) .
أما القيود والضوابط فقد علم الله كذلك أنها ضرورية للكيان البشري ليقوم بمهمة الخلافة الراشدة المطلوبة منه . فالاستجابة الكاملة للدوافع ، التي تتعدى بها الحدود المأمونة مهلكة للإنسان ومفسدة له ، وصارفة له عن الرفعة التي قدرها الله للإنسان الصالح ، الذي خلقه الله في أحسن تقويم ، متميزا تميزا حاسما عن الحيوان ، والتي بها هُيِّىء لحمل الأمانة التي أبت أن تحملها السماوات والأرض والجبال وأشفقت من حملها لأنها لم تهيأ لها ، وحملها الإنسان ..
وتؤدي القيود مهمة مزدوجة في حياة الإنسان .
تحدد المقدار الذي يستجيب به الإنسان لدوافعه وشهواته ، فتحبس قدرا من الطاقة أن يتبدد كله في المجال الحسيّ . ثم تحدد مسار هذه الطاقة فترفعها عن المجال الحسيّ الخالص إلى مجال"القيم"، التي ترسم الوجود الأعلى للإنسان ، وهي هي الأمانة التي تميز الإنسان عن الحيوان ..
(1) سورة البقرة [ 30 ] .
(2) سورة هود [ 61 ] .
(3) سورة البقرة [ 36 ] .
(4) سورة الكهف [ 7 ] .