وهكذا .. بين الدوفع والضوابط يتوازن كيان الإنسان ، ويحقق غاية وجوده وهو في أحسن تقويم (1) .
ولكنه لا ينضبط تماما في كل حالة . ولا يستمر على توازنه في كل حالة:
( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ) (2) .
"كل بني آدم خطاء ، وخير الخطائين التوابون" (3) .
وهنا تحدث المعصية ..
تحدث بأحد سببين ، أو بهما معا في وقت واحد .. إما اشتداد ضغط الدوافع على الإنسان ، وإما ضعف الضوابط في لحظة من اللحظات ، أو باجتماع السببين معا في وقت واحد: شدة الدافع ، وضعف الإرادة الضابطة التي تحدد المقدار والمسار .. وعلى قدر اشتراك العوامل المسبِّبة تكون النتيجة .. فحين يكون الدافع ضعيفا يمكن ضبطه بسهولة . أما حين يكون عنيفا فيتوقف الأمر على مدى قوة الإرادة . فإن كانت قوية فقد تكفي لرد الدافع تماما فلا تحدث المعصية ، أو تحدث خفيفة عابرة مما عبر عنه القرآن باللمم . أما حين تكون ضعيفة فإنها تنهار أمام الضغط ..
والإيمان بالله واليوم الآخر هو أقوى الأدوات المعينة للإنسان على مقاومة ضغط الشهوات . وبمقدار ما يكون الإيمان قويا وراسخا تكون قدرة الإنسان على الانضباط في داخل الحدود التي رسمها الله ، أي تكون الطاعة لأوامر الله ، والقيام بالتكاليف التي فرضها الله . وليس معنى هذا أن يخرج الإنسان من بشريته ويصبح ملكا لا يَعْصِي ! ولكن معناه أن الطاعة والانضباط والقيام بالتكاليف تصبح في حياته هي الأصل ، وغيرها هو الشذوذ العابر الذي لا يتلبث عنده ولا ينغمس فيه ، فيشمله هذا الوصف الرباني:
(1) اقرأ إن شئت"منهج التربية الإسلامية"الجزء الأول ، و"دراسات في النفس الإنسانية"فصل"الدوافع والضوابط".
(2) سورة طه [ 115 ] .
(3) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارمي .