إنما كانت الظروف التي أحاطت بنشأة الجيل الأول هي التي جعلت منه ذلك الجيل المتفرد في التاريخ . فقد شهد الجاهلية ثم شهد الإسلام ، فأحس بالنعمة الربانية وقدرها حق قدرها فحرص عليها . وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعيش بين ظهرانيهم ، يتلقون منه تلقيا مباشرا ، ويتربون على عينه - صلى الله عليه وسلم - فيرتفعون إلى أقصى طاقة البشر في الارتفاع . بالإضافة إلى ما تصنعه النشأة الجديدة في النفوس من شحذ العزائم والطاقات إلى أقصى درجاتها ، بخلاف الأجيال التي تولد بعد تمام البناء ، كما أن الجيل الذي ينشىء البناء بيديه ، ويتعب في إقامته ، يكون حريصا عليه ألا يصيبه خدش يفسد جمال رونقه .. (1)
هذه الظروف مجتمعة جعلت ذلك الجيل الفذ يصل في تطبيق مقتضيات لا إله إلا الله إلى ذلك المرتقى السامق الذي وصل إليه دون بقية الأجيال . أما التكاليف فهي التكاليف .. هي هي كما احتواها كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأما كون القيام بها هو مقتضى الإيمان بلا إله إلا الله ، فحقيقة لا علاقة لها بكون أي جيل من الأجيال هو الأول أو الأوسط أو الأخير ! (2) .
ونأتي الآن إلى المنطلق الأخير فنسأل: هل يمكن في واقع النفس البشرية أن يؤمن إنسان بشيء ، ثم يكون سلوكه الواقعي كله مغايرا لمقتضيات ذلك الإيمان أو مناقضا له ؟!
(1) تعرضت للحديث عن هذه الظروف وأثرها في تكوين الجيل الأول على صورته الفذة في كتاب"واقعنا المعاصر"فصل"نظرة إلى الجيل الفريد".
(2) تحدثت عن هذه النقطة كذلك في الفصل المشار إليه من كتاب"واقعنا المعاصر".