وانحراف المسلمين في سلوكهم أمر أوضح من أن يشار إليه .. فإن ما تفشى في حياتهم من الكذب والغش والنفاق ، والضعف والجبن والاستخذاء ، والبدع والمعاصي ، وما صار إليه الشباب من تفلت وتحلل ، وما صار الناس إليه من تبلد على الفجور والمنكر .. وعشرات غيرها من الصفات والأعمال ، كلها ليست من الإسلام في شيء ، بينما هي الواقع الذي يعيشه"المسلمون"!
ومع ذلك فليس الانحراف السلوكي هو الانحراف الوحيد في حياة أولئك"المسلمين"، ولا هو الانحراف الأخطر في حياتهم . ولو كان الأمر مقصورا على الانحراف السلوكي وحده لكان الأمر - على سوئه - أهون بكثير !
ولكن الأمر تجاوز ذلك إلى الانحراف في"المفاهيم".. كل مفاهيم الإسلام الرئيسية ابتداء من لا إله إلا الله !
وحين تجد إنسانا منحرفا في سلوكه ، ولكن تصوره لحقيقة الدين صحيح ، فستبذل جهدًا ما لرده عن انحرافه السلوكي ، ولكنك لا تحتاج أن تبذل جهدا في تصحيح مفاهيمه ، لأنها صحيحة عنده وإن كان سلوكه منحرفا عنها . أما حين يقع الانحراف في المفاهيم ذاتها ، فكم تحتاج من الجهد لتصحيح المفاهيم أولا ، ثم تصحيح السلوك بعد ذلك ؟
تلك هي حقيقة الوضع في العالم الإسلامي اليوم .
تجاوز الانحراف منطقة السلوك ، ووصل إلى المفاهيم الرئيسية لهذا الدين .
ومن أجل ذلك يعاني الإسلام اليوم تلك الغربة التي تحدث عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود غريبا كما بدأ" (1) .
ولقد عاد غريبا بالفعل .. غريبا بين أهله أنفسهم ، يتصورونه على غير حقيقته - فضلا عن سلوكهم المنحرف عنه - ويستغربونه حين يعرض لهم في صورته الحقيقية كما جاءت في كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخذت تطبيقها الكامل في حياة السلف الصالح - رضوان الله عليهم - !
وعلينا أن نواجه الأمر على حقيقته ..
(1) أخرجه مسلم .