ولقد أنعم الله على الأمة الإسلامية بالتمكين والاستخلاف والتأمين ، وفتح عليها بركات من السماء والأرض كما وعد المتقين ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) (1) .
ثم تغير الحال من الاستخلاف والتمكين والتأمين إلى الذل والضعف والهوان ، والتشريد والتنكيل والتقتيل حين صاروا إلى الصورة التي أنذرهم بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحذرهم منها:
"يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها . قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ قال: أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل .." (2) .
فما الذي تغير ؟ .. وكيف حدث التغيير ؟
لقد حدثت انحرافات كثيرة في حياة المسلمين في مسيرتهم الطويلة خلال التاريخ .
وكل انحراف وقع في حياتهم عن المنهج الرباني كانت له ولا شك عاقبته البطيئة أو السريعة حسب نوع الانحراف ، ودرجة تفشيه ، وموقف الأمة منه بحكامها وعلمائها وعامتها .. حتى إذا وصل الانحراف إلى حده الأقصى كانت عاقبته ما نراه اليوم من ضعف ومذلة وخوف ، بدلا من الاستخلاف والتمكين والتأمين ..
وما بنا في هذا الكتاب أن نتحدث عن خط الانحراف الطويل كله .. (3)
إنما نتحدث هنا عن نوع معين من الانحراف ، قد يكون هو الأشد خطرا في حياة المسلمين في الوقت الحاضر ، أو قد يكون هو الخلاصة التي آل إليها الانحراف التاريخي كله ..
إن كثيرا من الدعاة المخلصين أنفسهم ليظنون أن ما أصاب المسلمين قد أصابهم بسبب انحراف سلوكهم عن الصورة الإسلامية الصحيحة .
(1) سورة الأعراف [ 96 ] .
(2) أخرجه أحمد وأبو داود .
(3) تحدثت عنه وعن آثاره في كتاب"واقعنا المعاصر".