هل كان الوفاء بالمواثيق تطوعا لم يكلفوا به ؟ (1)
وهل كان في حسهم أنهم يقومون بهذا كله تطوعًا زائدا على أصل الإيمان ، وأن الإيمان متحقق في نفوسهم وفي واقع حياتهم بمجرد التصديق والإقرار وإن لم يقوموا بشيء من هذا كله على الإطلاق ؟
أم كان يملأ نفوسهم - كما تعلموا من كتاب الله ومن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن القيام بهذه التكاليف هو مقتضى الإيمان بأنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله .. ثم كانوا - في الأداء - يرتفعون إلى تلك القمم السامقة تقربا إلى الله ؟!
وهل يعقل أن يكون الواقع العملي للإسلام كله زيادات على الأصل ، غير داخلة في ذلك الأصل ؟!
ما قيمة هذا الدين إذن ؟ ما المهمة التي يؤديها في حياة الناس ؟!
وهل ينزل الله الكتب ، ويرسل الرسل ، ويكلفهم بالصبر والمصابرة ، والجهاد المرير ، من أجل تلك الحصيلة السلبية التي تظل مستسرة في القلوب ، كامنة في الضمائر ، لا تغيّر شيئا من واقع الناس ، ولا تحق حقا ولا تزهق باطلا ، ولا تقيم معروفا ولا تبطل منكرا ؟!
وهل لهذا أخرجت تلك الأمة إلى الوجود ؟!
( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) (2) .
هل يعقل أن يكون الهدف الرئيسي من إخراج هذه الأمة أمرا زائدا ، بمعنى أن تحققه أو عدم تحققه لا يؤثر على الأصل ؟!
(1) تلك أبرز سمات الأمة المسلمة التي تحدثنا عنها في كتاب"واقعنا المعاصر"مضافا إليها الحركة العلمية الإسلامية والحركة الحضارية الإسلامية اللتان جاءتا - بطبيعتهما - متأخرتين في الزمن ، ولكن بذورهما الأولى وجدت في أطواء الانطلاقة العظمى التي حققها الجيل الأول .
(2) سورة آل عمران [ 110 ] .